الكلام الفاحش ، ولحشيا د لهضرا

بقلـم : أديـب

أينما حللتُ في أرض الله يوميا ، وفي أيّ مكـانْ  ؛ في مجتمعي هذا الذي تحكمهُ العادات والتقاليد الدينية، والمتشبّع بالقيم والمبادئ الإسلامية التي تحثّ في جملة أحكامها على التحلّـي بالآداب والأخلاق بمختلف أنواعه والحياء والإحتشام في أكثر من موضع في القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وتدعو مؤسسة الأسرة والمسجد وكذا المجتمع وغيرها إلى زرع بذورها في قلوبِ وعقولِ وسلوكِ النشء ،  يتانهى إلى أذاني كلام قبيحْ نابي من الطراز الجديد البذيئ ، ومن النوع الغليظ الفاحش الذي يجعلكَ تحسّ بالخجل مع نفسك حينما تسمع هذا الكلام الخارج عن نطاق الأخلاق والآداب العامة يَخرق أذانك آتيا من كل حدب وصوب ومن كل لسانْ ومن أيّ إنسانْ ، وما بالك إذا كان بصحبتك صديق لك أو فرد من عائلتك تكنّ له احتراما كبيرا وتقديرا عظيما ، حينها ستكون الطامة الكبرى ، وستحس بالذنب والحرجِ من شدة احترامك لهذا الشخص حتى وإن لم تكن اقترفتَ شيئا ولم تفعل سوءا ،  ولعله نفس الشيء يحس به رفيقك وهو لا شك يبادلك الإحترام نفسه ، حينها ما عليك سوى أن تخلق في سياق الحوار كلاما مصطنعا لم تكن تودّ قوله -لكي تتخلص من هذا الموقف المخجل على الأقل – و تحاول أن تبدو أنّـك لم تسمع شيئا إلى أن تعود الأمور إلى مجراها العادي الذي كانت عليه بعد لحظة انقطاع سبّبتها قنبلة خرجت عفْـوا من أحد الشفاه الطائشة ، والألسن الفاحشة ، وما أكثرها من شفاهٍ وألسن تُخرِج فاحش القول دون أيّما إحساس بالحياء وما جاور هذه الخصلة الحميدة التي أصبحت تحتضر في مجتعاتنا إن لم تكن قد ماتت وانقرضت ! وأعتقد أنه لا يوجد هناك فرق كبير بين الصغار والكبار في هذه المسألة ، فكلاهما متساويتين كأسنان المشط ؛ والواقع يشهد على ذلك

ألفاظٌ نابية حقيرة متنوعة ، من الحزام إلى الأسفل ، تنبثقُ من الشّفاه السليطة انبثاق الماء من الينبوع ؛ بشكل عادي يكاد لا يُلفت أي انتباه لآخرين إلا نادرا –حسب مدة ظهورها في المجتمع- بحكم اعتياد ذلك الآخر على سماع هذه الألفاظ تخرج من الأفواه في كل لحـظة ؛ اعتياد تنفس الهواء وشرب الماء تماما ،
كيف له أن ينتبه لها ؛ فهي ليست رصاصة على وشك أن تخرق رأسه وليست قنبلة تكاد أن تحوّل جسده إلى أشلاء ! بل هي فقط عبارات اعتاد عليها من فرط تكرار سماعها في كلّ الأحيانْ وفي كل مكانْ ، ولم تعد تشكل أي خطر عليه أوعلى صديق له يحترمه أو رفيق ، ففي هذه الحالة عليه أن يعي المسألة -أي الرفيق- كما يعيها هو جيدا وأن يقّدر الظروف –ظروف  تلك الألفاظ  التي تخرج من الأفواه ملتهبـة متأججة كما تخرج القنابل من فوهات المدافع  – لكي لا يجعله يحس بالحرج في موقف وظرف لم تكن له يد في صنعهما ،

في الشوراع العامة والطرقات والمدارس والمنازل والساحات والأماكن العمومية التي يلجها أناس محترمون ، بل حتى في المساجد أيضا التي هي بيوت الله وأماكن العبادة والمدارس والمؤسسات والإدارات  ، نسمع كلمات وألفاظ تخرج من الأفواه بطريقة تلقائية عند ثورة غضبْ وخصومةٍ بين طرفين وغياب الأنا الأعلى الموجه والمرشد تأخذ منحى السب والشتم الذي أصبحت له لغته الخاصّة العصريةوالمستحدثة المفعمة بأساليب الإنزياح البلاغي والزّاخر بضروب المجاز والإستعارة والكناية التي لم يتوصّل علماءُ البلاغة والأدباء أنفسهم إليها ! ومن أفواه أناس كبار وصلو إلى سن متقدم يفرض عليهم هذا الأخير ومظهرهم أن يبدو أناسا محترمين ، ولذلك لم أستغرب كثيرا- بحكم العادة !-  من شيخين طاعنين في السن تخاصما فيما بينهما ذات يوم بعد صلاة العشاء في أحد المساجد … أثناء مشاداتهما باللسان ، لجـآ كلاهما إلى استعمال أسلحة من الألفاظ الفاحشة القبيحة والمخدشة للحياء في مكان تحضر فيه ملائكة الرحمان ، تضاربا بها حتى ملآ المكان نجاسة بما أفرغته أفواههم من عبارات ساقطة ، لو كان الشيطان نفسه في مكانهما لترفَّع عن قولها حياءً وحشمةَ في مكان كالمسجد  !، ومن شرطيين أيضا وهما –رجال الأمن و القانون- تخاصما بدروهما فيما بينهما وأمام الملأ -وخصوصا النساء- خرجت من أفواههم ألفاظ لا تخرج أبدا من فاه مراهق لم يصل بعد إلى درجة النضج والوعي الكامل ، ونفس الشيء لوالد يوبخ ابنــه في وسط الشارع وأمام الناس ، والأمثلة على ذلك عديدة ومتعددة يتعذّر ذكرها في هذا المقام

كنتُ ساذجا إلى درجـة الغباء ، حينما كنت أعتقد أن الطفل الحديث الولادة يكون عقله صفحـة بيضاء لا شيء فيها ؛ حسب تأكيد الفلاسفة الوجوديين أمثال “جون لوك” ، وقد كنت مؤمنا بهذه الفكـرة ومقتنعا بها ؛ لكني صححت هذه الأطروحـة مؤخرا حينما فاجئني طفل صغير استطاع لتوّه أن يتعلم نطق كلمة (ماما)  بكلام فاحش نابي حينما مررت بالقرب من منزلهم متوجها إلى الدراسـة ، سلّطها علي كصاعقة ممدودة لم تنقطع و لم أسلمْ منها إلا حين ابتعدت عنه وتواريت في منعطف قريب ، جعلني طيلة اليوم مشدوها أراجع نفسي وأسخر من سذاجتي ، ومما زاد من دهشتي في ذلك اليوم أن بعض الألفاظ التي كرّم بها عليّ الصغير-  في السن طبعا – لم أسمع بها سابقا ، ولقد سمعتها من فاهه السليط ، ولو كان “جون لوك” نفسه برفقتي وسمع من الطفل تلك الألفاظ لعاد لتوه إلى أطروحاته وأصحابه وصححها ، فربما هذا الطفل قد وُلد وصفحة عقله مليئة ولم تكن فارغـة ،

ولعل دور الأسرة وما لها من أهمية خصوصا في مجال التربية والتعليم – فالأسرة قبل كل شيء مدرسـة بل هي أول المدارس التي يلجها الإنسان في مراحل حياته التربوية – لم تلعب دورها بشكل إيجابي والذي يتمناه أي أب أو أية أم أن تلعبه رغبةَ فقط دون أن يسعيا إلى ذلك سعيا وأن يعملا جهدهما في سبيل ذلك ، وأن يُخرجو للمجتمع أفرادا يُضرب بهم المثل في الحياء وسمو الأخلاق ، يفتخرا بهم أمام الناس على الأقل ؛ فالأب إن كان مصابا بداء قبح الكلام فإن هذا سوف ينعكس سلبا على الأولاد الذين تلتقط عقولهم العطشى إلى التعلم كل ما تنطق به شفاه الأب أو الأم أو أي فرد من أفراد الأسرة ، فبدل أن يزخرا تلك العقول  بالكلام الحسَن الجميل الذي من اللازم عليهما أن يتحلّو به وأن يسعيا جهدهما في النطق به على مسمعٍ من أولادهم ، ولو في حضرتهم على الأقل حتى يكون الدور إيجابيا ، يملآن عقله الصغير بما يلتقطه من ألفاظ تافهة ، يتقاذفان بها حين خصوماتهما وأمام أولادهم الصغار، وطبعا سوف يستعملها الإبن هو بدوره سواء في المعارك والخصومات أو فيما عدا ذلك ، ومن يدري ، ربما يستعملها ضد أبواه إذا اقتضى الحال ذلك ، خصوصا إذا عنّفاه أو ضرباه ، فلن يتردد في إفراغها في وجيهيهما تعبيرا عن احتجاجه وسخطـه

تضعنا كل المشاهد اليومية التي تتراءى لنا في كل مكان ، ونسمع أبطالها يتقاذفون ببذيئ الكلام ، أمام حقيقة واحدة هي أن الحياء -الذي لم نعد نلمسـه إلا حينما نقرأه في الكتب أو نسمع عنه – لم يعد يسكن أنفسنا بعد أن صارت مجتمعاتنا وأفرادها منحلة إلى أبعد الحدود على مستوى الملبس والمظهر والزينة وكذا الكلام وما إلى ذلك  ، ولعل لغتنا هذه التي نتكلــم بها بهدف التواصل والتحاور لم تسلم من هذا الإنحلال ، فشتّان  بين اللغة القديمة التي كان يتكلم بها أجدادنا وهذه التي أصبحت لغة يغلب عليها طابع الفحش والقبح ، تنتقل إلى لغة أخرى تجريحية ، جلّ معانيها فاحشة إن كانت ألفاظها نقية وعادية

ولعل هـذا نلمس تجلياته في هذه اللغة التي هي -أولا وأخير- أداة للتعبير التي نستطيع من خلالها التواصل مع الأخر ؛ فلقد انسلخت -ويا حسرتاه !- عن معانيها الحقيقية وانزاحت إلى معاني أخرى عصرية ومستحدثة  تستفاد من سياق الكلام ، وكما يقول المثل الشعبي في هذه الحالـة : “الفاهم يافهام” ، فكل المعاني لا تأتي بطريقة صريحة وواضحة بل ضمنية  لتترك للمتلقي فرصةَ أنْ يدرك كُنهها من جهة ، وأنْ يعرف درجة غبائه أو ذكائه في فهمها من جهة أخرى

،

ولقد كان فيما مضى هذا الكلام النابي يقتصرُ على المراهقين الذين لم يصل مستوى عقولهم بعد إلى النضج الكافي الذي يجعلهم يعون مسألة الإحترام والإحتشام وحدود (التبرهيش) والمراهقة الفكرية والكلامية إن صح التعبير ، ويجعلهم كذلك يَنْتقون الكلام المحترم الذي يجعل جسور التواصل بينهم وبين الكبار ممدودة -وإن كانت ممدودة بينهم وبين أقرانهم بهذا الكلام الذي هو في عرفهم لغة التواصل السحرية التي تجلب أكبر عدد من الأصدقاء وتشكل لهم فضاء للعبث والضحك واللهو والتندر  – قبل أن تنتقل العدوى إلى الكبار والمسنين أيضا ليمارسو حتى هم أدوراهم في التلفظ بهذه العبارات الساقطـة في أكثر من مناسبة والواقع يشهد على ذلك ، ربما حنينهم إلى صغرهم و أيام عبثهم ولهوهم ومراهقتهم هو الذي يفرض عليهم أن يعودو صغارا حتى في هذه المسألة ؛ ففي عصرنا هذا الذي نعيشه حاليا لم نعـد نجهّز أنفسنا أيما تجهيز حتى نكلم الذين نحسبهم كبارا و الذين نرى فيهم أيات الكمال والذين من الواجب علينا وعليهم أيضا احترامنا وأن نخلق أثناء حوارنا معهم أو تعاملنا جوا مفعما بالإحترام  ، فهم أنفسهم قد خرجو عن قاعدة الرجولة والكبر التي تفرض عليهم أن يبتعدو عن استعمال الكلام القبيح ليقحمو حتى هم في كلامهم ألفاظا وعبارات خارجة عن نطاق الأخلاق ، والنماذج في المجتمع كثيرة جدا

واجب علينا في الأخير وبعد ما صارت إليه حال مجتمعاتنا التي ربما ستعرف ما هو أكثر من هذا وفي كل يوم جديد (عيش نهار تسمع خبار) أن نتوقف جميعا وقفة ترحم على خصلتي الحياء والإحترام اللتين ماتتا في أنسفنا واضمحلتا في سماء الواقع ، ووقفة تحسر على لغتنا القديمة التي تغيرت جذريا وتعددت وظائفها الكثيرة ، وأصبحت بامتياز – بعد أن غلب عليها طابع الشارع والسوق- لغة (الحاشيا د لهضرا) !

Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks

6 Comments on “الكلام الفاحش ، ولحشيا د لهضرا”

  • shiraz-españa wrote on 4 February, 2010, 20:56

    موضوع أخلاقي فلسفي رائع , لقد قرأته أكثر من مرة لعلي أجد ثغرة لنقده فلم أستطع . لقد تناولت الموضوع بجدية , حتى صار ذي جمالية خاصة تشد القارئ شدا لتسلسل أفكاره , فهنيئا لك أخي ما وهبك الله من موهبة . شيراز

  • wah wrote on 10 February, 2010, 13:24

    wah nichan 3endak el 7a9999 :( hakka darine naass

  • wah wrote on 10 February, 2010, 13:25

    ewa mawdo3 ra2e3 jiddan :) :D

  • oualid wrote on 16 February, 2010, 1:09

    كن ابن من شئت واكتسب ادباااااااا

  • rabie wrote on 21 February, 2010, 13:39

    hah que respetar alos demas

  • Anonymous wrote on 25 February, 2010, 21:34

    kon ibn man chi2t waktasib adabannnnn

Write a Comment

Gravatars are small images that can show your personality. You can get your gravatar for free today!

Copyright © 2010 NadorToday.Com : نافذة من الريف الكبير ، على اخر الاحداث المحلية والوطنية. All rights reserved.