التخلّـف والتحضّـر !
- Sunday, February 7, 2010, 23:26
- منبر ناظور اليوم
- 1 comment
إذا ما توقفنا يوما و تأملنا قبل أن نحلم بما سنصل إليه يوما ما من مواكبة الركب واعتلاء صهوة التقدم نحو حياة حضارية سعيدة ، وبالمستقبل الذي يكشفُ لنا عن نور تغيير أوضاعنا هذه التي يُرثى لها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ، واجب علينا أن نتأمل قبل كل شيء “جوهر” الأمر الذي قد يكون من أول الوسائل التي نرى فيها الأداة الفعلية التي ستوصلنا إلى مرامنا وتحقق أحلامنا فعلا كشعوب متأخرة جدا ، ونبدأ أولا بأبسط – وفي نفس الوقت – أعقد الأمور التي غفلنا عنها كثيرا وقلّما نخصّص لها مجالا صغيرا للحديث عنها ، وغالبا ما تكون هي الآفة التي تنخــر جسد أمّتنا وتحوله إلى هيكل عظامي هش ، وتكون “كالقشة التي قصمت ظهر البعير” ! ولا يتعلق الأمر هنا بمشكلة التعليم أو الصحة أو السكن أو الحقوق وغيرها من المشاكل التي تعاني منها البلدان النامية ؛ بل يتعلق بتصرفاتنا وأفعالنا وأعمالنا وتعاملنا هذه التي يسودها التخلّف بكل أشكاله وأنواعه .. قد تكون المسألــة أبعد من أن تستحق الإهتمام لبساطتها وسذاجتها ؛ لكن هذا ما يظهر في بادئ الأمر ، وسرعان ما تكشف لنا عن معضلة حقيقية تستحق التشخيص والمعالجة والإهتمام ، فأينما أمعنا النظر سنجد أن التخلف الذي يفضي بشكل أو بآخر إلى “الفوضى” حاضر حتى في أبسط تعاملنا مع الأشياء والظواهر وحتى مع بعضنا البعض ، والواقع الذي نعيشه ونعاينه يوميا شاهد على ذلك ، وليس أسهل من إعطاء أمثلة كثيرة لا تخرج عن نطاق المجتمع وأفراده وحكاياتهم المتعددة التي تضعنا أمام حقيقة مفادها أننا أمة متخلفة في كل أمورها ، رغم كل هذا العلم و هذه المعرفة الجمة التي ملأنا بها أذهاننا عبثا ، لم نصل بعد إلى درجـة التحضّر الحقيقي ، وليس التحضر المجازي أو اللغوي ،
وهكذا تُورث هذه الآفة(التخلـف) أبا عن جد وبوتيرة واحدة – منذ أن أصبحنا أهدافا جلية وفرائسَ سهلة للإستعمار الإمبريالي الأروبــي - قلما تشهد بعض التغيّرات الطفيفة التي بالكادِ لا تخلق اختلافا بيّنا ولا تضع تباينا كبيرا ؛ فالبفعل ليست هناك فروقات كبيرة -إذا ما درسنا الأمر من زاوية إجتماعية و تاريخية – في الحياة التي عاشهـا أجدادنا خلال القرن العشرين وهذه التي نعيشها حاليا في مطلع القرن الحادي و العشرين ؛ فالتخلف حاضر في كلا الجيلين ، حتى وإن استطعنا أن نُـعتق أنفسنا منه قليلا بفضل العلم والمعرفة التي أنارت لنا بعض المسالك المظلمة والشّعاب الدامسة من هذه الحياة ، يظل التخلف حاضر و تجلياته في المجتمع كثيرة جدا ، ولا شك أن هذا التخلف هو الذي ميّزنا عن البلدان المتقدمة والمتحضرة والذي وضعنا في مراتب متأخرة جدا يصعب معها أن نتخلص منها ؛ فالتخلص من مرتبة متأخرة إلى أخرى متقدمة يخصها جهد جهيد وعمل وتعب وشقاء وإصلاح يشمل كل المجلات المتعـددة التي نرى فيها ثغرات تستلزم الإصلاح والمباردة الفعلية التي توتي أكلها لا من جانب الحكومة ولا من جانب الشعب على حد سواء ، فما يخصنا قبل كل شيء هو أفراد واعون ومتعلمون على اعتبار أن هؤلاء هم دعامة المجتمع وركيزة الوطن ، فإذا استطعنا أن نستأصل التخلف وكذا الجهل -والجهل أخطر من الأمية- من عقول الأفراد حينها ربما ستكون المسألة أكثر سهولة .
بالفعل قد يلعب التعليم دورا مهما في إنارة بصيرتنا وانتشال الأفراد من هاوية التخلف ، ووضعهم على واقع عيش الحياة بطريقة أكثر تحضّرا ، والعلم نورْ كما يقول المثل المشهورْ ! لكن ما نراه حاليا من تصرفات بعض النماذج التي لا تخلو من جهل وطيش رغم أنها فئة متعلمة ، وقضت نصف حياتها تتردّدُ على المدارس والمؤسسات التعليمية ـ يتبادر إلى أذهاننا أن التعليم دوره محدود في سبيل ذلك ؛ فالمشكلة هنا ليست مشكلة الأمية بل هي مشكلة الجهــل ، فقد يكون الأمّي أحْسن حالا من الجاهل هذا الأخير الذي يعي المسألة جيدا ويعرف حقيقة الأمر ومع ذلك يتغافل عنها ويتغاضى في سبيل شيء آخر يكون كل همـه ، وبذلك نرى -وهذه حقيقة- بعض الأساتذة و الأطباء والمهندسين ما يزالون يفتقدون إلى ثقافـة التعامـل مع غيرهم رغم كل ثروتهم العلمية والمعرفية .
ولكي نوضح أن التعليم دوره محدود في هذا وأن الذي أصيب بآفة كالتخلف يصعب علاجها يكفينا أن نسوق مثالا بسيطا من جملة الأمثلة الكثيرة ؛ وهو أن نشير إلى مسألة التدخين ، فرغم كل تلك المراحل التي قطعها الأستاذ والمهندس والموظف بصفة عامة وحتى الطبيب نفسه في حياتهم الدراسية والتعليمية وكل تلك النصائح التي تحذر من خطورة التدخين والتي أفرغها معلّموهم ومدرّسوهم في أذهانهم ذهبت أدراج الرياح ؛ فما يزال البعض إن لم يكن الأغلبية يتعاطون التدخين رغم وعيهم بمخاطره وسلبياته الكثيرة ، ولا يمكن أن نصف الطبيب -الذي ينهى عن تعاطي التدخين ويحذّر من مخاطره وأضراره البليغة على صحة الجسم ومع ذلك يدخن- “سوى بالشيطان الذي ينهى عن المنكر” !
إن الفوضى التي أصبحنا نعيش فيها- قديما وحاليا- منشأها ولا ريب من التخلف ؛ والتخلف وليد تصرفاتنا وتعاملنا وأفكارنا ومعتقداتنا وبعض مسلماتنا البعيدة عن الدين التي نؤمن بها أشد الإيمان ونضعها في بعض الأحيان فوق الدين نفسه ، وهذا كله لا شك يضع أمامنا أشواك التثـبّط و كذا في طريق تقدمنا ، مما يعيق حركة سيرنا بل ربما يرجعنا درجات إلى الوراء ، هذا بصرف النظر عن أننا ما زلنا لا نؤمن بأمور حقوق الإنسان والديمقراطية وأشكال الحريات وما يتعلق بذلك إلا في الخيال وفي الجرائد والكتب ، دون أن نلمسها حقيقة في الواقع ، وهذا نوع من التخلف يسمى بتخلف الوعي ؛ فنحن ما زلنا نتغافل عن ممارسة حقوقنا ونتساهل مع اللذين يهضمونها بأنيابهم الشرسة وأمام أعيننا ، ويجرعوننا فنونا من الإستبداد و أشكالا من الظلم في دولة “تدعي” أنها تؤمن بالحق والقانون ، ونحن نشجعهم على ذلك بنهجنا لسياسة “الصمت خير من الكلام ” وسياسة “اللي خاف أنجا”ونتغافل عن سياسة “اللي زعم ياكول لحكم” ! وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا من جهة جبناء ومن جهـة أخرى متخلّفون ، وصور التخلف كثيرة جدا وما هذه سوى جزء صغير من الكل ، ولست هنا أعارض جهة بعينها أو أنتقدها ، بقدر ما أريد عرض بعض صور التخلف الكثيرة والمتنوعة التي من أجلها كتبت هذا المقال البسيط
فإن من بعض الدوافع التي أدت بي إلى كتابة هذا المقال هو بعض الظواهر التي أراها في مجتمعي هذا يوميا ، والتي لا تفتأ مواضيعها تتسلل إلى كلامي حينما أكون في نقاش مع رفيق لي أو صديق ، تخصّ جانبا من هذه المسألة ، ونحاول دراستها وتناولها من بعض الزوايا ، ولم أجد بدا من كتابته ، وإن المثيرات هي أهم الدوافع التي تغير مسار الحوار إذا ما صادفنها ، وتتحكم فيه ، وبذلك فكلامنا في كل مرة يميل إلى هذا الموضوع ، حينما تقع عيوننا على مواطن -وهذه صورة أخرى من صور التخلف الأكثر شيوعا- تجاوز سن المراهقة والعبث ووصل إلى مرحلة النضج والكمال ما يزال يحمل في يده حجارة يقصف بها مصابيح أعمدة الشوراع ظلما وعدوانا ، وكأنه ليس في وطنه بل في وطن آخر يكــنّ له عداوة وبغضاء وفعله يعبر عن نوع من البغض والكره كامنين في قلبه ، ومن مواطنين كذلك يتخاصمون فيما بينهم وقد تصل خصوماتهم إلى معارك حامية الوطيس تنتهي بما لا تحمد عقباه لمسألة بسيطة جدا وهي أن أحدهم تطاول على الآخر وسلَب مكانه في الصف ولم يحترمه ، أو من سائقي السيارات يسلبون حق الراجلين في المرور وقطع الطريق على الرغم من وجود خطوط لممر الراجلين ، وكأن الطريق خاص بالسيارات فقط ولا مكان لغيرها فيه ، أو بعض التلاميذ الذين يدرسون في الإعداديات والثانويات ما يزالون رغم كبرهم يحطمون منشآت المؤسسة ويخربونها رغم أنهم في حاجة إلى استعمالها كالطاولات والسبورات وسيكون في حاجة إليها الذين يَخلفونهم مستقبلا ، أما الكوارث البشرية التي تحدث في الأسواق المكتضة بالناس والأماكن التي تعرف ازدحاما فالحالة هناك تفوق كل كل الوصف ! والأمثلة كثيرة جدا ومتعددة .. على عكس ما نرى في المجتمعات الأوربية أو غيرهما من المجتعمات المتقدمة من نظام و تحضر أفرادها ونزاهتم من هذه التصرفات صغارا وكبارا
حقيقة إننا ما زلنا نرتع في غياهب التخلف و تخصنا في سبيل التخلص من هذه الآفة ثقافة التعامل التي نفتقدها في الوقت الذي نجد فيه أمم متحلية به متقدمة في شتى المجالات فيما بقينا نحن متخلفين عن الركب ما زلنا لا نعي حتى القيم التي تجعل منا أناس متحضرون على جميع المستويات بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني حقيقية ، هذه القيم بالفعل نفتقد إليها ، وهذا يتجلى في كل ما يقع تحت أبصارنا يوميا ونعايشها فعلا ، لم نصلح حتى أمورنا الشخصية والداخلية فكيف بنا يوما نصلح أمورنا الخارجية التي أصبح يتحكم فيها أحيانا غيرنا ، هذا واضح فنحن ما زلنا نعاني من آفـة سوء التفاهم التي تعيق كل وسائل التواصل فيما بيننا ، فتجدنا نختلف في أبسط الأمور التي لا تحتاج إلى هذا كله ، ولقد صدق المثل الذي يقول “اتفق قوم على أن لا يتفقو ” وإذا كنا لا نعرف حتى كيف نحسن “فن الإتفاق” إن صح التعبير و نحن نملك كل الإمكانيات التي تؤهلنا إلى ذلك فنحن بالفعل متخلفون
وفي الأخير يجب علينا أن نعي جيدا مامعنى القرن الحادي والعشرين ، ونضع معناه نصب أعيننا للتفكير والتأمل ، ونعي كل الأمور التي غافلنا عنها لسنوات كثيرة ولم نَعر لها أدنى أهمية وهاهي الآن تعود علينا سلبا ، ونقتدي من الذين سبقونا بكيلومترات لا تعد ولا تحصى ، الأمور التي نحن في حاجة إليها والتي تعود علينا بالفائدة والخير وتنتشلنا من هـاويـة التخلف والجهل بدل أن نقلدهم فيما يُضلّنا ولا ينفعنا بقدر ما يضرنا ، من تقليد طريقة اللباس و طريقة التزيين وتحليق شعر الرأس وما إلى ذلك من أمور كثيرة نرى جديدها كل يوم ، وندعي أن هذه هي الحضارة وهذه أشكال من التحضر وحتى هذه لا نعرف كيف نتعامل معها فنسقط مرة أخرى في هاوية التخلف في الوقت الذي نريد أن نكون متحضرين ، وعلينا أيضا أن نعود إلى كامل تصرفاتنا وأفعالنا ونصححها ونترك الماضي المؤلم تدهسه عجلات الزمان وتمحوه أذيال النسيان ، مؤمنين بالمثل الذي يقول “اللي فات مات” ، لكي نعبد الطريق نحو حياة جديدة … حياة متحضّرة
بقلــم : أديــب
One Comment on “التخلّـف والتحضّـر !”
Write a Comment
Gravatars are small images that can show your personality. You can get your gravatar for free today!







التلفزيون ديالنا حلف مايبدل القاعيدة ديالو, وهي أنه يجيب أتفه وأردأ وأحط الأعمال التلفزيونية ويكبّها لينا على مائدة الإفطار, الأعمال اللي ماعندها لا ساس لا راس, لا سيناريو لا حبكة درامية ولا غير درامية ولا فيها ريحة الكوميديا وكيسميها كوميدية, الغريب أن الناس المسئولين على التلفزيون وبالضبط المسئولين على تفويت البرامج فأوقات الذروة فالشهر الكريم كيتعاملو مع الموضوع من باب "الفيرمة ديالهم", يعني دوّز السلسلة وشدّ البّاي ديالك والمواطن اللي كيخلص هاد الشي كولو يضرب راسو مع القنت ديال الحيط, أما المتابعة والتحقيقات راه أسطورة في هذا البلد السعيد, وطبعا صحاب شركات الانتاج المستفيدة مكيخليوش شي حاجة للصدفة وكيوزعو الأظرفة مولات العشرالاف درهم على الصوحافيين اللي عندهم مع الكواليس باش يزمّو فامهم ويديوها فريوسهوم وميجبدوش عليهم النحل..
وهكذا ولينا كنشوفو فالتلفزة حسن الفذ محزم وكيلوز باش يضحك المشاهد بزز ف"الفذ -تيفي".. ونشوفو البسطاو والإيحاءات الجنسية ديالو بلا حشمة بلا حيا ف "حنا جيران" ..ونتبّعو الإطناب والشطيح والرديح بلا وقت ف"دار الورثة"..
الحاصول .. الله ياخذ فيهم الحق .. ويبيّن فيهم العلامة ياربي وهاد لعواشر..
لا حول لنا ولا قوة لنا إلا بالله