أحداث بني بوعياش والتوضيحات اللازمة

الحسن أربعي – أصداء 

إذا كان بعض عشرات من المراهقين ينبهرون أمام لفظة جمهورية ، و بالتالي يشكلون فريسة سهلة للمخططين في الغرف المظلمة ، فعليهم أن يعوا أن زمن تحويل الريف الى حطب لحروب لا تهم الريف قد ولى …
 
الذي حدث ويحدث في مدينة بني بوعياش بالشمال يكتنفه الكثير من الغموض ، الأسئلة تتوالى بدون أجوبة ، أو بأجوبة تدخل في مجال الحرب الإعلامية ، ولكن حرب هواة مبتدئين حتى لا نقول حربا بليدة .
 
إن أول ما يلقي بغطاء من الغموض على ما يحدث هو طول المدة التي استمر فيها وضع اللااستقرار ،فلم يبلغ الى علمنا حتى الأن أن هناك طريقا وطنية تربط بين عدة مدن في نفس الان ، بقيت مقطوعة مدة ستة أشهر كاملة كما هو الشان بالنسبة للطريق الوطنية الرابطة بين تازة والحسيمة .
 
ثم إن الغموض يزداد حين نعلم أن قطع الطريق كل هذه المدة ليس من فعل عشرات الالاف من المواطنين الذين هبوا بمختلف شرائحهم ، بل من فعل بضع عشرات الشباب .
 
ما هي مطالب هؤلاء الشباب ؟ لا أحد بامكانه الاجابة ، فلو كانوا كلهم خريجي جامعات معطلين لقلنا إن المطلب هو الشغل ، أما وأن المعطلين يشكلون مجرد جزء من كل ، فذاك أمر غير مفهوم ، يزيد من غموضه تضارب التصريحات ، فمن متحدث عن التشغيل ، الى من يفضل الحديث عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية عموما والى من لا رأي له بالمرة .
 
ورغم غياب مطالب واضحة ، فانه تمت محاصرة كل من الباشوية و مقر المجلي البلدي ما أدى الى الشلل الكلي لهاتين المؤسستين طيلة الاشهر الماضية ، دون الحديث عن المتاريس والحواجز الموضوعة على مقربة من مركز المدينة بما يجعل الوصول الى المكان مستحيلا مع ما يستتبعه ذلك من انهاء اية حركية تجارية او اقتصادية أو غيرهما من الأضرار الفادحة التي لحقت التجار و أصحاب المهن ، ناهيك عن سائر المواطنين الذين لم يعودوا يتمتعون حتى بأبسط الخدمات الادارية و الجماعية .
 
ورغم طول هذه المدة فإن السلطات لم تتدخل ، لا من أجل فتح الحوار مع المحتجين ، و لا من أجل حماية حقوق عشرات الألاف من المواطنين ولا حماية الحركة الإقتصادية بالمنطقة .
 
الكثيرون من سكان المدينة يعتقدون جازمين أن ترك الحبل على الغارب من قبل السلطات المختصة كان مقصودا ، وذلك من أجل وضع المواطن أمام معاناة يومية طويلة تجعله يعادي هذا الاحتجاج وربما أي شكل من أشكال الاحتجاجات الأخرى ، وهناك من يرى أن بقاء الوضع على هذه الحال طوال كل هذه المدة إنما هو تقديم لصورة معينة عن حركة 20 فبراير ، ما دامت قد تحولت إلى عنوان لأي شكل من أشكال الاحتجاج ، ولأي لون من الألوان السياسية من أقصاها الى أقصاها ، وهو الشيء الذي لا يمكنه بالطبع إلا أن يرسم صورة في منتهى السلبية للحركة في عيون السكان .
 
هذا واحد من الأراء التي تفسر تكلؤ السلطة ، فيما يذهب رأي اخر الى ترجيح قراءة ترى أن تأثير أحداث متوالية عرفتها المنطقة في السنوات القليلة الماضية وانتهت الى معاقبة عدد من المسؤولين ، هي التي جعلت الجميع يحجم عن الدخل ” في ما لا يعنيه ” وفي ما قد يجلب له صداع الرأس ، وبالتالي فالتدحل مشروط بأوامر واضحة ومباشرة ممن يخول لهم القانون .
 
لندع القراءات وشأنها ، فالمهم أن طول المدة جعل الكثير من الأوهام تتسرب الى المعنيين الى درجة الاعتقاد بهزيمة تاريخية غير مسبوقة لـ ” المخزن ” ، وبامتلاك قوة خارقة تجعلهم يأنسون في أنفسهم القدرة على القيام بمبادرات قد تطبع تاريخ البلاد ككل .
 
ترك هذا الشكل الاحتجاجي يواجه اللامبالاة تولد عنه بعض التيه ، فكان أن تم تسجيل أول ظهور لراية قال حاملوها إنها كانت شعارا لجمهورية الريف ، التي أسسها بن عبد الكريم الخطابي إبان الاستعمار قبل أن يرأس لاحقا لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة .
 
ظهور الراية في إحدى مسيرات 20 فبراير أحدث ضجة حيث سارع نشطاء الحركة الى البترؤ من الفعل ، وتو في خضم ذلك اتهام أحد نشطاء العدل والاحسان الذي قد يكون سعى الى توريط الحركة في أمر من هذا الجحيم .
 
ومنذ ذلك الحين إختفت الراية من المشهد العام حتى عادت للظهور الأسبوع الماضي في مسيرة كانت متجهة الى مدينة الحسيمة حيث حمل مراهقون عددا من تلك الرايات ، بل إنهم أمام تعذر وصولهم للحسيمة بفعل الحصار الامني توجهوا نحو المبنى التاريخي لقيادة عبر الكريم الخطابي ، ورفعوا الراية فوقه مع ترديد شعارا تطالب بالاستقلال .
 
عند هذا المعطى تأكد أن المعالجة الأمنية لن تتأخر ، خاصة وانه تزامن مع لجوء وفدين من سكان وتجار بني بوعياش الى الوالي يطالبونه برفع الغبن الذي يعانون منه بفعل تعطيل مصالحهم وبفعل التهديدات التي يتعرضون لها باستمرار من طرف هؤلاء .
 
كان التدخل الأمني سريعا أفضى الى تقديم 9 معتقلين الى العدالة فيما تم إخلاء سبيل الباقين لكونهم قاصرين ، وعلى الجانب الاخر بدأ المعنيون الذين لادوا بالفرار يروجون لغة عجيبة من قبيل ” القائد الميداني ” و ” المقاومة ” و ” طرد القوات ” …
 
إن حجم الكلام والبعد الرمزي لبعض الأفعال والشعارات يجعل المرء يتساءل ، هل هناك قوة سياسية ما تقف وراء ذلك ؟ والجواب واضح ، فلا أحد من أقصى اليمين الى أقصى اليسار يمكنه تبني أو الموافقة على إتيان مثل هذه الممارسات ، كما لا أحد من الوجوه المعروفة في المنطقة بأنشطتها السياسية أو الثقافية إقترب بشكل من الأشكال من هذا الموضوع .
 
تبقى هناك شبهات تحوم حول إياد خفية قد يكون لها دور في انتاج الوضع ، ولو كان دورا هامشيا ، سواء منها أياد داخلية تسعى إلى تدمير كل عناصر المصالحة الايجابية بين الريف والدولة ، التي لم ترق الكثيرين وبالتالي يسعون بكل قوة إلى استعادة أجواء التهميش والقهر الذي عانى منه الريف مدة طويلة ، وسواء في المنطقة ولو معزولين ودون تأثير .
 
ويبقى الجانب الأهم في كل هذا أن بالإمكان تقبل اللعب والعنتريات و مجاراة ما تقدمه الجزيرة من خبز يومي للساخطين في العالم العربي ، ومحاولة تجريبه على الأرض ، لكن ذلك لن يخول لأحد ، ولو على سبيل اللهو ، تنفيذ مخططات خلط الأوراق عبر اللعب بأمور تهم أمة بأكملها ، فإذا كان بضع عشرات من المراهقين ينبهرون أمام لفظة الغرف المظلمة ، فعليهم أن يعوا أن زمن تحويل الريف الى حطب لحروب لا تهم الريف قد ولى ، فالريف مثله مثل باقي مناطق المغرب ، يبحث عن التنمية والخبز و الشغل والكرامة ، وما على من يحددون أولويتهم في إشعال المنطقة لأهداف لا علاقة للريف بها ، أن يعلموا أن التاريخ لا يعيد نفسه اللهم بشكل كاريكاتوري ، وهل هناك حالة كاريكاتورية أكثر من تلك التي نشاهدها الأن ؟