أمطار الخير ومأساة الطرق

بقلم : محمد أرغم

لقد أنعم الله على المغرب- كما من عليه- خلال هذا الأسبوع بأمطار الخير، واستبشر الجميع خيرا من هذا الوابل أو من هذا الطل…والفلاحون، هم، – في المقام الأول- الأكثر فرحا واستبشارا، لأنهم هم المتمسكون والمستمسكون، المرتبطون والمرابطون مباشرة بالأرض، يخدمون الأرض وتخدمهم، يقلبون عاليها وقلوبهم منشرحة، يغرسون الأشجار في الوقت المناسب، يجنون المحصول في موسم الجني، ويزرعون البذور مع أولى قطرات المطر…؛ فالأمطار الخريفية، خلال هذا الموسم، سوف تتواصل، هذا، حسب ما صرح به مسؤول بمديرية الأرصاد الجوية الوطنية، وأوضح المصدر ذاته أن «حالة الطقس غير المستقرة، التي تتزامن مع تهاطل أولى الأمطار الخريفية، ستتواصل حتى مطلع الأسبوع المقبل»؛ فاستمرار حالة الطقس غير المستقرة والمضطربة، تجعل المواطن حذرا وقلقا من كل ما قد يعرض حياته للخطر..، وأكد السيد بلعوشي أن مديرية الأرصاد الجوية الوطنية تضاعف خلال هذه الفترة ، من مستوى الحيطة والحذر من خلال- وعلى الخصوص- بث نشرات إنذارية بشكل منتظم. …. وقفت، بعدما تأملت طويلا في اضطرابات أحوال الجو، حصلت لدي قناعة، لا أظن، أنها سوف تتزعزع مع الوقت، قناعة بأن الجو لطالما اعتدينا عليه، مزقنا غلافه الواقي، رميناه بالسموم…، وأعلنا هذا الاعتداء السافر، حسبنا أنه انتصار…. فلا بد أن ننتظر، إن آجلا أم عاجلا، رد الاعتداء الرهيب…، ظواهر كونية تسير وفق نظام كوني عجيب…لكن تدخل الإنسان: بشرهه ،عبثه، عدم تقديره للأمور…، أثر في النظام السليم، لذا ثار الجو…وقفت أتأمل “شيئا يسيرا”مما يقع فقلت: هذه الأمطار نعمة أم نقمة؟ فبدأت أنظر من حولي…، ….. فوجدت الطريق- الذي صار واديا بالمرة- فهو، طريق بأدوار مختلفة، وقت الحر فهو بمثابة الطريق السيار، وقت الشتاء يعتبر، بحق، وادي رقراق…واد يجري ويجر معه كل ما صادفه في طريقه: أوحال، طمي، أصناف من الأكياس البلاستيكية…، بالوعات لم تعد تحتمل الكميات الهائلة من المياه والأتربة الحمراء التي جرها “الوادي” وهو يلعلع في السماء…شارعنا- أو بالأحرى شوارعنا- أصبح كالعروسة المخضبة بالحناء، اغتسل من كل الأدران والأوساخ، فالبلدية سوف لن تكلف نفسها لا بالتنظيف ولا بالإصلاح لأن كل الطرق مقطوعة…نعم، المقطوعة والممنوعة، يتعذر على العمال فك العزلة على المنطقة بالكامل، نعم من حق عمال البلدية أن يعتذروا عما وقع، فالذي وقع، خارج عن إرادتهم، سوف لن يدخروا وسعا حينما تغيض المياه ويعتدل الجو..، فكل بالوعة تتطلب يوما كاملا لتنظيفها بالكامل، كم من بالوعة ياترى في هذا الشارع العريض؟ السكان يستهلكون أضعاف ما يستهلكه الأوروبي أو الأمريكي، همنا جميعا في بطوننا، بطوننا قبلتنا، متى نعلن فكاكنا مع هذه البطون الواسعة، أما زال لم يآن الأوان لكي نتخلص من بهيميتنا ونسلك معارج الآدمية؟ فلنرحم هذه الأنابيب المهترئة، الضيقة،…رحمكم الله… فكل الأنابيب استائت من قوة الصبيب، أحس بها، كما أُحس بخوفي وأنا أراقب سقوط الأمطار، خوف وقلق يعتصران أمعائي…، تشكوا تلك الأنابيب، بجميع أشكالها وأحجامها، إلى الشركات التي استنبتتها في هذه الرقعة من الأرض، أرض ساكنتها “العاشبة واللاحمة” تأكل إلى حد الشره، كيف لها أن تقاوم تلك الأنابيب الضيقة كل ما يقذف بها الإنسان من الحمم،…؟ هل هناك من علاقة بين ضيق قنوات الصرف الصحي وتوسع أمعاء بني آدم؟ المنطق يقول بالعكس: يجب أن تكون “الأنابيب، وكذا القنوات”واسعة جدا، بينما أمعاء بني آدم “يُستحسن” أن تكون ضيقة بما يكفي !!!

متى كان أي: إصلاح، أو بناء، أو ترميم، أو تشييد،…أو،…تقوم به البلدية أو الجماعة…لا يخضع لشروط وضوابط دفتر التحملات؟ فدفتر التحملات هو بمثابة”قانون” المتعاقدان…متى أخل طرف بواجبه، فالتبعات تُلزمه…أيعقل “استنبات”أنابيب ضيقة لساكنة يزداد عددها بمتوالية هندسية؟…أين نحن من هندسة استشرافية؟ الآن، لم تعد تستجيب قنوات الصرف الصحي، بل امتنعت عن التصريف والتوزيع… وأصبحت ممنوعة من الصرف…كميات زادت عن الحد، وليس بوسع أنابيب و”قواديس” من الحجم الصغير، أن تستوعب هذا السائل أللجز، وذاك الصلب الجامد… !!! Mon Dieu la surcharge أنابيب، كلها، تشكو حالها إلى القائم على الشأن المحلي…، كما أشكو حالي إلى رب الأحوال…من الماء المنساب عبر فتحات في باب السطح، قطرات تحولت في رمش العين إلى رشاش، حاولت مع أفراد أسرتي منعه من الانتشار…. و استمرار حالة الطقس غير المستقرة أقلقتني، وأخبار تُنشر في القنوات، الجرائد، ومن جهات متعددة أخرى…تقول: مدن، قرى، مداشر،…، عاشت –مع صرفها وتحويلها إلى الأزمنة الثلاثة-، هي الأخرى، هول الفاجعة جراء مخلفات الأمطار، مما زاد من مخاوفي: انهيارات في المباني القديمة، تصدعات في الشقق الحديثة، غرق في الوادي، فيضانات غمرت المزارع والمباني المحاذية للوادي، …أخبرني صديقي لما غمرتهم المياه يوم السبت، وهو في سباته العميق، أيقظته الأسرة ليمدها بيد العون، سهر الليل، وهو قائم يقاوم على جبهتين: يقاوم المداعبة الجميلة للنوم الثقيل، ويقاوم هجوم قنوات الصرف الصحي، بيديه” الشريفتين””أعز الله شرفكم”كان يجمع كل ما كان يسيح في بهو المنزل من “فضلات بني آدم”؛ والروائح الكريهة ما عاد أحد من أهل الدار يتحملها، فبدل من جمع “التلوث” صار الجميع يجمع”التقيئات”.”….فكل تفصيل في هذا الباب سوف يُلوث لا محالة جوكم أيها الأعزاء…”… اسمحوا لي على هذا التفصيل والتفريع المخل.

أمطار باتت تخيف أكثر مما تدخل السرور على العباد…السبب؟ إذا عُرف السبب بطُل العجب…
من المسؤول إذا عما يجري؟ اعتقد أن المسؤولية تتحملها أطراف ثلاثة،…ربما أكثر من جهة/أو طرف….:
– الدولة هي التي على عاتقها حماية الجميع؛
– البلديات، الجماعات، وزارة التجهيز…،
كلها مسئولة عن البنايات التحتية من: شبكة طرقية، قناطر، مسالك غير معبدة…، قنوات الصرف الصحي…؛
– المواطن هو المسؤول الأول عما يجري من حوله، لأنه محور التنمية، محور الإصلاح، محور الإقلاع….إذا أقلع عن العادات السيئة من قبيل: الإستهلاك المفرط حتى أنه بدل: أن يوسع ثقافته، أن يوسع من مستواه العلمي، أن يوسع من أنشطته الاجتماعية…، وسع أمعائه وأحشائه، بكلمة: وسع بطنه، فضيق مجاري المياه…..كوارثنا إذن مزدوجة: من فوق، ومن تحت…