إستئنافية الناظور تحتضن ندوة علمية حول تخليق المنظومة القـضائية

ناظورتوداي : عبد القادر خولاني – نجيم برحدون 
 
 
        كانت محكمة الاستئناف بالناظور نهاية الأسبوع الماضي ، محطة متميزة لندوة علمية تحت عنوان  تخليق المنظومة القضائية ، التي تدخل في إطار مساهمة كل جهات المملكة في الحوار الوطني التي دعت إليه وزارة العدل و الحريات حول إصلاح منظومة العدالة ، و قد شكلت المساهمات في بلورة قاعدة واسعة للنقاش الجاد في إطار بحوث قانونية و ميدانية في محاورها ،التي ساهم فيها مجموعة من الأساتذة من  ذوي الخبرة و التجربة و الاختصاص في مجـال القضـاء و العدالة و محيطها ….. 
 
وافتتحت الندوة من قبل الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الأستاذ عبد البر بن عجيبة و السيد وكيل العام للملك الأستاذ العوفي عبد الحكيم ، بكلمتين توجيهيتين تبرز مدى دور و أهمية هذه الندوات في إصلاح وتخليق منظومة القضاء من خلال تقديم اقتراحات و توصيات واقعية تساير المجتمع المغربي ، وأن أي إصلاح لابد أن ينطلق من الأسرة ليشمل كل شرائح المجتمع وهياكله ، مؤكدين على أن إصلاح القضاء لا يمكن أن يتم إلا بتخليق القضاء و أن القاضي هو محور هذه الإصلاحات و المؤثر على صون كرامة الأشخاص و الساهر على تنفيذ القانون الذي لا يتحقق إلا بقاضي متجرد من كل الشبهات و يتصف بالنزاهة و الاستقامة ، ليكتسب ثقة الناس و إشاعة وتطبيق العدل بين الناس لتخليق الحياة العامة و البناء الديمقراطي و توطيد الاستقرار الاجتماعي و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ،باعتبار القضاء العادل ملاذا لصون الحقوق و حماية الحريات وضمان ممارستها الفعلية وتحقيق الأمن القضائي و الالتزام بسيادة القانون وترسيخ الثقة الكفيلة بالتحفيز على المبادرة و الاستثمار، مستدلين بآيات بينة من القرآن الكريم وبالتشريع الإسلامي ومستحضرين مزايا الدستور الجديد والخطاب الملكي … 
 
       وكانت تدخلات السادة الأساتذة / مقرر الندوة السيد نجيب شوقي مستشار بمحكمة الاستئناف بالناظور ، البشير بوحبة وكيل الملك في موضوع/ المحكمة العادلة رهينة بمحكمة مستقلة و محايدة ، عدي وردا مستشار في موضوع / تخليق القضاء على ضوء مدونة القيم القضائية و الدستور الجديد ، حميد بلنهدي نائب الوكيل العام في موضوع / تكوين القضاة من آليات تخليق القضاء  ، عبد الحليم بلقاضي محامي في موضوع / تخليق منظومة العدالة و محمد الجغنوني مساعد اجتماعي بقسم قضاء الأسرة في موضوع /  التخليق ووسائل فرضه ومجالات تطبيعه….، فرصة للحديث عن المرجعيات التاريخية و الدينية و الاجتماعية و التربة الميدانية التي تستند إليها عملية التخليق ، وعن أهمية الأخلاق في مجال القضاء ، و أن تجديد المنظومة القضائية تشكل مدخلا أساسيا لتحديث منظومة العدالة و تخليقها و إصلاح المهن المرتبطة بها، هذا أن الفساد  طال كل مكونات منظومة العدالة، بمعنى يجب تخليق جميع قطاعات الدولة ، مما يستلزم ضرورة إصلاح منظومة العدالة ككل، وليس القضاء فقط، فالفساد موجود في مكونات المنظومة جميعها….، حيث أن المواطن يجد الفساد مستشريا في كل مجالات الحياة ووصل حتى إلى القضاء وكتابة الضبط والمفوضين القضائيين والخبراء ومهنة المحاماة و المحامي نفسه ، و أجمع كل المتدخلين على أنه لا بد أولا من استعادة ثقة المواطن الذي يجب أن يرى أشياء ملموسة وليس فقط نظريات و شعارات فضفاضة ترفع في كل وقت وحين….، ولهذا فمن أجل تحقيق العدالة يجب أن يكون لكل شخص الحق في محاكمة عادلة و حقوق الدفاع مضمونة ومحكمة مستقلة و محايدة و أن تكون الأحكام الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع وتنفذ لا أن تبقى حبيسة المكاتب ، في حين يجب أن يتحلى القاضي بالأخلاق الحميدة والمصداقية والسلوك الحسن و التجرد و الحياد ، فضلا عن الشجاعة الأدبية و الكفاءة المهنية و السلوك القضائي و أن تكون المسؤولية مقرونة بالمحاسبة ، هذا أن دستور صيف 2011 قدوضع القضاء موضع السلطة، مثلما هو الحال بالنسبة للسلطتين التشريعية والتنفيذية، مع استحضار خصوصيات كل واحدة على حدة واختصاصاتها، دون تغييب عنصر حيوي يكمن في ضرورة التعاون فيما بينهما،  ولدعم ضمانات استقلال السلطة القضائية، نص الدستور الجديد علاوة على ما كان قد كرسه سابقه من عدم قابلية قضاة الأحكام للعزل والنقل إلا بمقتضى القانون، فضلا عن منع كل تدخل بدون وجه حق في مجريات القضاء ، أو إصدار أوامر إليهم، أو ممارسة ضغوطات عليهم، بل ومعاقبة كل محاولة للتأثير عليهم…. ، هذا بإعادة النظر في طرق التكوين ليكون منتجا مع الانتقال من قاضي الكفاية إلى قاضي التخصص ، و العمل على إصلاح المهن المرتبطة بالعدالة و بمنظومة القضاء… كما أشار جل المتدخلين في السياق ذاته أن تخليق منظومة القضاء مرتبط بتخليق العدالة الذي يجب أن تستند على مرجعية وطنية ودولية مع اعتماد آليات للعمل تقوم بالأساس على إشراك جميع المتدخلين في منظومة العدالة و كذا القطاعات الحكومية المعنية وهيئات المهنية و الجمعوية  والنقابي و وسائل الإعلام، فضلا عن إشاعة التربية على المواطنة وحقوق الإنسان ، مع ترسيخ دعائم دولة الحق و القانون و مصارعة الفساد الذي هو خيار لا رجعة فيه و أكد جل المتدخلون على ضرورة  تعزيز دور القضاء في إطار الإصلاح الشامل المنتظر وتطوير التكوين والتربية الإلكترونية وجعلها رافعة اجتماعية ووسيلة للتمتع بالحقوق وكذا تطوير البنية التحتية للإدارات، والمرافق العمومية ، فضلا عن تأمين الموارد البشرية في كل الإدارات العمومية و وضع الشخص المناسب في المكان المناسب مع العمل على تأهيل و تكوين الموظفين تكوينا جيدا يستجيب لمتطلبات العصر للحصول على خبرة في مجال إنتاج وتدبير ونشر المعلومات مع خلق هيئات جهوية للمراقبة …،  مؤكدين على أن إصلاح القضاء يحتاج كذلك إلى إرادة سياسية حقيقية ورغبة أكيدة في التغير، وأنه في غياب الإرادة السياسية الحقيقية فإن أي حوار وأي توصيات متمخضة عن أي لقاء ستبقى حبيسة الرفوف……. 
 
       إلى ذلك عرفت هذه الندوة العلمية حضورا متميزا لمختلف الأجهزة الأمنية والمحامون و مستشارون والنواب ووسائل الإعلام المكتوبة و الإلكترونية، و شملت مداخلات متنوعة قانونية وعلمية أعقبتها نقاش واسع و مستفيض ستنبثق عنه توصيات ستساهم في إصلاح منظومة العدالة…….