الأمن يحاصر ويعنف نشطاء أمازيغ في جبـال أنوال

نـاظورتوداي : ( أعد التقرير : فكري الأزرق )
 
ريفيون يطالبون برحيل المخزن من موقع معركة أنوال ويستنكرون “تزويره” لتاريخ الريف وطمس الذاكرة الجماعية

في الوقت الذي قررت فيه الدولة ومؤسساتها تخليد ذكرى معركة أنوال بطريقتها التي لا تعكس العمق الحقيقي للمعركة ولحرب الريف بصفة عامة، ولمقاومة الريفيين المستمرة من أجل الوجود، قرر نشطاء الريف نسف هذا التخليد الذي يروم إلى تكريس “التاريخ المزور” وطمس الذاكرة الجماعية لأهالي الريف. بين محاولة المخزن تمرير خطاباته، وتصدي النشطاء له التجأ المخزن إلى القمع الشرس، ليكون الاحتفال بذكرى معركة أنوال التي حدثت بتاريخ 21 يوليوز 1921 معركة أخرى خاضها نشطاء الريف ضد القمع المخزني المغربي في نفس المكان الذي قُتل فيه أشهر جنرالات إسبانيا “سلفستري”. المقال التالي يعرج على تفاصيل ما حدث اليوم 21 يوليوز 2013 بذلك الموقع التاريخي.
 
رفض جماهيري لتخليد مخزني مشبوه
“دعوهم يرقودون: فلو نطقوا، لقالوا إرحلوا”، كان هذا هو الشعار الرئيسي الذي تمت كتابته على اللافتة الرئيسية التي أعدها ثلة من نشطاء الريف الذين توافدوا على جماعة “أنوال” (المسماة في الوثائق الرسيمة بـ “اتليليت”) للاحتجاج على “تزوير التاريخ والذاكرة الجماعية لأهالي الريف” من طرف هيئة “مخزنية” مسماة “المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير” الكائن مقرها بالرباط، والتي لا تربطها أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالريف والريفيين. بتنسيق طبعا مع السلطات المحلية التي كانت حاضرة منذ الساعة الحادية عشر صباحا بالجماعة المذكورة، والممثلة في أعضاء من المندوبية السامية في غياب رئيسها “مصطفى الكثيري”، وممثلي السلطة المحلية بـ “بن طيب” من باشا وقائد وغيرهم، وممثلي السلطة المحلية بالجماعة المذكورة، والكاتب العام عمالة إقليم الدريوش (ممثلا لعامل الإقليم الذي غاب عن الاحتفال)، وشخصيات أخرى مدنية وعسكرية، بالإضافة إلى بعض الأشخاص المسنين الذي أتت بهم المندوبية من مناطق بعيدة لتكرمهم بأنوال على أساس أنهم من قدماء المقاومين.
 
في هذا السياق، يقول أبناء جماعة أنوال، وأبناء قبيلة “ثمسمان” الذين حضروا بكثافة إلى عين المكان للاحتجاج ضد “المسرحية الهزيلة التي تقوم بها المندوبية للضحك على ذقون أبناء وأحفاد المجاهدين” (يقولون) بأن هؤلاء الذين تقدمهم المندوبية بكونهم قدماء جيش التحرير “لا ينتمون للمنطقة، فقد تم الإتيان بهم فقط من أجل استكمال المشهد في هذه المسرحية، في الوقت الذين تجاهلت فيه هذه المندوبية المقاومين الحقيقيين المثقوبة أجسادهم برصاص الاحتلال الإسباني، والذين يعانون الويلات مع المرض والعاهات المستديمة وغياب العناية بهم من طرف الدولة وأجهزتها، بالإضافة إلى معاناتهم الدائمة مع الفقر والحرمان والتهميش الذي نهجته الدولة المغربية ضد المنطقة انتقاما منها لاحتضانها أكبر معركة من معارك التحرر من نير الإمبريالية في سياق ما بعد الحرب العالمية الأولى”.
 
احتجاج الجماهير الريفية رفضا لتزوير التاريخ
في سياق الاستعداد لانطلاق أشغال “الاحتفال الرسمي” من طرف السلطات والهيئات الرسمية الحاضرة، ارتفعت حناجر أبناء الريف المنتمين إلى مناطق مختلفة من الريف (الناظور، فرخانة، بن طيب، ميضار، أنوال، ثمسمان، إمزورن، بوكيدان، آيث بوعياش، الحسيمة …الخ) الذين حضروا إلى موقع معركة “أنوال” الخالدة للاحتجاج على “تزوير تاريخ الريف من طرف المخزن وأدلجته بما يتماشى مع أطروحته الرسمية”، ليرفع أبناء المنطقة شعارات قوية ضد النظام السياسي القائم، وضد أجهزته القمعية والإيديولوجية، وتنديدا بممارساته “العنصرية ضد الريف والريفيين”، وهي الشعارات التي أزعجت السلطات وممثليها الذين حضروا لتخليد المعركة بطريقتهم الخاصة.
 
استمر الاحتجاج مع ترديد الشعارات المنددة بالتناقض بين الخطاب والممارسة التي تنهجها الدولة من جهة، وبسياسة النظام “التفقيرية” ضد أبناء المجاهدين، مع حضور لافت للانتباه لأعلام جمهورية الريف والأعلام الأمازيغية. الاحتجاج الذي استمر لأزيد من ساعة ونصف، تخللته كلمات المناضلين الذين استنكروا بشدة هذا الضحك على ذقون الريفيين من خلال احتفالات رسمية لا تعكس العمق الحقيقي لحرب الريف التحررية بقيادة مولاي موحند بن عبد الكريم الخطابي. واستنكروا أيضا “تمجيد تاريخ ليوطي، وتهميش تاريخ الخطابي والريفيين” وازدواجية تعامل المخزن المغربي مع التاريخ “فنقل جثمان ليوطي لدفنه في الدار البيضاء، في الوقت الذي يرقد فيه جثمان بطل حرب الريف في القاهرة أمر غير مقبول. واحتفال الدولة بذكرى معركة أنوال التي خاضها الريفيون بقيادة الخطابي يتناقض مع تمجيدها لتاريخ ليوطي، فإذا كان هذا الأخير في نظر الدولة هو باني المغرب الحديث، فإن الخطابي الذي كان ضد ليوطي وضد الاحتلال سيكون من وجهة نظر المخزن هذه “هداما” فلماذا يحتفلون به إذن؟” يقول أحد المناضلين في كلمته.

في ذات السياق، أشار أحد المتدخلين أيضا إلى “العنصرية التي تتعامل بها هذه المندوبية والسلطات مع العمق الأمازيغي للريف وللدولة المغربية الحالية بصفة عامة، والمتمثلة في كتابة اللافتات بلغة واحدة هي اللغة العربية في غياب اللغة الأمازيغية التي ينص عليها دستورهم المزعوم والممنوح”، في حين قال أحدهم في كلمته تعليقا على ما كُتب في إحدى اللافتات: “لسنا من ذلك العرش”.
 
كلمات أخرى ألقاها مجموعة من الفاعلين تناولت بالتفصيل الكثير من مظاهر الإقصاء والتهميش التي تنهجها الدولة المغربية ضد الريف وضد “أنوال” انتقاما من هذه الأرض لاحتضانها أكبر حركة تحرر عالمية. في ذات السياق انتقد أحدهم تهميش تاريخ الريف وملاحمهم البطولية من طرف مؤسسات الدولة، “وتهميش ما يسمى بهيئة الإنصاف والمصالحة لشهداء الريف، سواء الذين سقطوا ضحايا الرصاص الإسباني والفرنسي، أو الذين سقطوا ضحايا الرصاص المخزني سنوات 1958- 1959، 1984. وأن ضحايا القمع المخزني لا زالوا يتساقطون اتباعا، وآخرهم شهداء الحركية الاحتجاجية بالحسيمة (شهداء 20 فبراير الخمس) والمعتقلين الذين امتلأت بهم سجون النظام” وأنه “إذا كنا نطالب بالأمس بكشف كل حقائق الماضي، والاعتذار الرسمي للدولة في شخص رئيسها، وتقديم ضمانات قانونية ودستورية لأجل ضمان عدم تكرار ما جرى، فإننا اليوم، نطالب بمطلب واحد لا غير وهو رحيل المخزن عن هذه المنطقة”.
 
كما استنكرت الفعاليات الحاضرة غياب صورة الزعيم الخطابي عن الاحتفال الذي تقوم به السلطات، ومحو الذاكرة الجماعية لأهالي المنطقة المتمثل في تغيير اسم الجماعة من “أنوال” إلى “اتليليت”، ورفض السلطة لتسجيل أي وثيقة تحمل اسم “أنوال” وهو ما اعتبرته الفعاليات “طمس متعددة الأوجه للهوية والذاكرة الجماعية لأهالي المنطقة”، لتتساءل في نفس الوقت مجموعة من الأسئلة الاستنكارية من قبيل: ماذا قدمته الدولة وهذه المندوبية في سبيل حفظ الذاكرة الجماعية؟ ماذا قامت به هذه المندوبية وهذه الدولة في تاريخ حرب الريف؟ لماذا لا تتجرأ على فتح ملف الغازات السامة؟… وغيرها من الأسئلة التي تشير إلى الطمس الممنهج الذي تتعرض له ذاكرة المنطقة من طرف دولة المخزن المغربية.
 
لغة المخزن: القمع
أثناء إلقاء الكلمات وترديد الشعارات، كانت السلطة تقوم بمحاولات استقطاب متكررة لبعض الأشخاص والتفاوض معهم في إحدى غرف الجماعة أمام أنظام العموم لحثهم على الانسحاب وبالتالي “نسف الشكل النضالي”، ولما فشلت في ذلك، قامت باستدراج عنصرين منتمين إلى “جمعية أبناء أنوال” (المعروف عنهم موالاتهم للمخزن حسب مجموعة من الشهادات المتقاطعة لأبناء الجماعة) وشحنهما ضد الفعاليات المحتجة، وتخويفهم أيضا من السجن والقمع، وهو ما عبر عنه تصريح أحدهم إثر اقتحامه للشكل الاحتجاجي حيث قال: “أنتم لستم أبناء أنوال ولا حق لكم في الاحتجاج هنا لجلب المشاكل لنا ولعائلاتنا”. ليشرع في مناوشات مع أحد الفاعلين الذي كان يتلوا كلمته، والتي تخللتها بعض العبارات التي أزعجت المخزن من قبيل: “حياتنا أطوال من حياة شانقينا” و “الحسن الثاني السفاح”. في هذه اللحظات تدخلت قوات “السيمي” التي كانت ترابط بالمكان مدججة بالهراوات، وشرعت في قمع المحتجين الذين فر العديد منهم “قفزا” على حائط مقر الجماعة، إلى الجبال المجاورة، قبل أن تتبعهم قوات القمع “السيمي” التي كان جزء منها مرابط أمام الجماعة من الواجهة الخارجية.
 
وقد نتج عن هذا التدخل الذي لم يراعي الجوانب القانونية في فض المظاهرات (دون إشعار المحتجين بذلك)، (نتج عنه) كدمات ورضوض أصابت عشرات المناضلين، بالإضافة إلى جروح بليغة على مستوى الرأس أصابت أحد المنتمين إلى فرع “آيث ولشيش” للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، بالإضافة إلى توقيف (اعتقال) ثلاثة محتجين.
 
بعد فرار أغلب المحتجين إلى الجبال المجاورة شرعت قوات القمع في رشقهم بالحجارة مما دفع بالمحتجين إلى الرد على هذا “الاعتداء على الريفيين في عقر دارهم” من طرف أجهزة المخزن، ليقوم في تلك اللحظة أعضاء المندوبية والسلطات المحلية بالتخليد على طريقتهم بسرعة البرق، مستغلين “ظرفية تواجد المحتجين في مواجهة مع قوات القمع”.
 
ومن جهة أخرى، قامت أجهزة المخزن بتحرير محضرين في حق اثنين من المحتجين بتهمة “التجمهر غير المرخص له” على أساس أن يتم تقديمها أمام النيابة العامة فيما بعد في حالة سراح، ولحد كتابة هذه الأسطر، لا زالت تفاصيل المحضرين غير معروفة.
 
أنوال: تهميش ممنهج وحضور الدولة لا يتعدى أجهزة القمع
إن احتجاجات اليوم ضد السلطات وأجهزتها ومؤسساتها ليس بالجديد على ساكنة أنوال، حيث قاموا في وقت سابق بتفعيل مجموعة من الاحتجاجات ضد الإقصاء والتهميش التي تتعرض له المنطقة من طرف السلطة، حيث أن هذه المنطقة تعتبر إحدى أكثر المناطق إقصاء وتهميشا، ومظاهر هذا الإقصاء والتهميش ظاهرة للعيان في كل التفاصيل الدقيقة بالجماعة، من الطريق التي تربط الجماعة بغيرها من المناطق التي يعود تاريخ إنجازها إلى فترة الاستعمار الإسباني، والتي لم تكلف الدولة نفسها عناء إصلاحها وترقيها، مرورا بغياب المراكز الصحية، والغياب الشبة التام للمدارس….الخ.