البطيوي: على محمد السادس أن يقطع مع المخزن حتى تستمر مصالحته مع الريف

ناظور اليوم : خاص 
عاد إلى المغرب عبر مطار الناظور، بعدما حزم حقيبته ورحل دات يوم من 1984 عازما على عدم العودة ومقاضاة الملك الراحل لما لحقه من أجهزته من اعتقال وتعديب؛ فوجد المدينة ومحيطها وقد غزاهما العمران، وإن بدا له مشوها، لكنه مزين بصور الملك محمد السادس. محمد البطيوي، هدا اليساري الريفي الدي مكث في سجن سلا ثلاثة أشهر بعد خروجه للتظاهر وسط الطلاب، فكاد دلك دريعة لمنعه من مواصلة الدراسة مما حمله على الرحيل. وبعد 27 سنة، عاد البضيوي اليوم ليقول إنه أنا لا يتفق مع الطريقة التي تم بها تشكيل لجنة تعديل الدستور، “والغريب أن رئيس هذه اللجنة عبد اللطيف المنوني كان يقول بأننا لسنا في حاجة إلى تعديل الدستور واليوم يشرف على هذا المشروع، هذا تناقض غريب ويجعل اللجنة بعيدة عن التمتع بالمصداقية المفروضة، من يجب أن يشارك في الإصلاح الدستوري هم فعاليات المجتمع المدني والأحزاب السياسية من دون إقصاء أي حزب، لأن المسألة سياسية بالدرجة الأولى وتتطلب مشاركة مختلف مكونات المجتمع المغربي”.

ماهي قصة مغاردتك للمغرب .؟
كنت من بين ضحايا 1984 حيث تم اعتقالي عندما كنت طالبا وتمت محاكمتي وسجني. وبعد إطلاق سراحي، حاولت المشاركة في امتحانات الكلية فتم إخباري بقرار العميد بطردي من الكلية، فكنت لاحقا ضحية صراع طويل مع عميد الكلية لأقرر في الأخير سحب ملفي والتوجه نحو الخارج لإتمام دراستي، وهكذا تواجدت في بلجيكا كطالب ومناضل في الاتحاد الوطني للطلبة.

تعرضت للمحاكمة والاعتقال، كم دام سجنك؟
تماما لقد تعرضت في وجدة للمحاكمة وحكم علي ابتدائيا ب18 عشر شهرا تحولت عقب الاستئناف إلى ثلاثة أشهر، وخرجت يوم 20 ماي سنة 1984 من السجن.

عقب مغادرتك أرض الوطن في اتجاه بلجيكا هناك قصة شهيرة تتداول عن دعوى رفعتها ضد الملك الراحل الحسن الثاني ووزير الداخلية آنذاك ادريس البصري؟
القضية في البداية كانت موجهة ضد الحسن الثاني ولكن للأسف في يوليوز 1999، توفي الحسن الثاني، ووجدنا أنفسنا أمام ملف ضخم عملنا لمدة ثلاثة أشهر على إعداده، ففكرنا هل سيكون مصير هذا الملف مزبلة التاريخ أم أن هناك صيغة أخرى لإحقاق الحق، في الأخير فكرت بأنه إلى جانب الحسن الثاني كان هناك مجموعة من الأشخاص الذين ساهموا في قمع وتعنيف الشعب، وعلى رأسهم وزير الداخلية في ذلك الوقت ادريس البصري، لذلك تم توجيه الملف ضد البصري، والمحكمة البلجيكية خلال السنة الماضية لم تحاكم البصري كشخص ولكن اعترفت بمسؤوليته عن جرائم ضد الإنسانية.

عقب هده الدعوى التي رفعتها ضد الملك ووزير الداخلية، ألم تتلق أي اتصالات أو محاولات تدعوك إلى التراجع عن القضية؟
لم يتم ذلك بطريقة مباشرة لأنهم يعرفون جيدا من هو البطيوي، كإنسان لا يباع ولا يشترى وقاسى الكثير، كما أن والدتي توفيت ولم أتمكن من حضور جنازتها وهذا كله مرتبط بالقمع الذي مارسته السلطات المغربية ولا يمكن أن أتاجر في معاناتي كما فعل مجموعة من الإخوة مباشرة بعد إصدار الحسن الثاني قانون العفو العام الذي كنت من بين القلة القليلة التي رفضته، لأنني إنسان حر ولا أنتمي إلى أي نزعات سياسية، لذلك كانت هناك مجموعة من الاتصالات بطريقة غير مباشرة خصوصا في عهد حكومة التناوب التي ترأسها عبد الرحمان اليوسفي هذا الأخير الذي نظم حفل شاي على شرف البصري.

من اتصل بك من حكومة اليوسفي؟
اتصل بي بعض الإخوان المقربون من الحكومة الذين قالوا لي “طعنتنا”، واتهموني بمحاولة عرقلة مسلسل سياسي كانوا يعلقون عليه الكثير من الآمال يتمثل في حكومة التناوب.

ماهو رأيك في حكومة التناوب، ألا ترى أن هذه اللحظة عرف خلالها المغرب تحولا مهما وكانت فرصة  لتعودوا إلى البلاد وتساهموا في هذا المسلسل؟
قل لي من عاد ليساهم في هذا المسلسل؟ لا يوجد اليوم سوى الماجيدي والهمة الذان يسيران البلاد، أين هم الاتحاديون اليوم؟ أين هو اليوسفي نفسه؟ اليوسفي كان لديه عقد مع الحسن الثاني أن يستمر لمدة أربع سنوات أخرى ليتخذ التناوب المسار الذي كان يأمل فيه الجميع، ولكن بعد ذلك تم تعويضه بجطو، رجل الأعمال الذي لا ينتمي لا إلى المجتمع المدني ولا السياسي، لا يمكن أن تضمن انتقالا ديمقراطيا في البلاد مع رجل أعمال. هنا يوجد نوع من الإشكالية التي لم أفهمها، وأنا أعتبر بأن اليوسفي ارتكب هنا خطأ فادحا، حيث لم يتم تطبيق مبدأ التناوب بل رجوع اليسار إلى الحكم عقب حكومة عبد الله إبراهيم في أواخر الخمسينات، إذن لا يمكن أن نتحدث عن مبدأ التداول أو التناوب.  

وما الذي تغير اليوم في البلاد وجعلك تعود؟
لم يتغير أي شيء في البلاد، أنا من تغير، كانت لدي مشاريع انتهيت منها، ودكتوراه أتممتها ودعوى قضائية ضد البصري التي انتهت سنة 2009، بالإضافة إلى أنني اشتقت إلى عائلتي، والدي يبلغ من العمر 91 سنة وقد رغبت في رؤيته في آخر سنوات عمره،  أنا من تغير ولم يتغير أي شيء، وأيضا أنا اليوم عدت إلى بلادي وإلى بيت والدي ولم أعد كضيف عند أحد، هذه بلادي وبلاد أجدادي، ولدت هنا وكبرت هنا وأجدادي دافعوا عن هذه الأرض بدمائهم، “أنا راجع لبلادي ولدار با وما رجعني حتى شي حد”.

استقبلك في المطار بعض الحقوقيين والسياسيين ولذلك تم ربط عودتك ببعض الشخصيات والجهات!
هناك مجموعة من الأصدقاء اتصلوا بي يوما قبل عودتي وهم زملاء نفس الزنزانة التي كنت فيها بسجن وجدة، إذا اتصلوا بي كأصدقاء فهم مشكورين وإذا جاءوا لغاية في نفس يعقوب فلعنة الله عليهم، أنا لا أشترى ولا أستغل ولا يمكن أن آتي بعد 27 في المنفى لأكون أداة في يد أي كان.

ما هو شعورك عقب العودة إلى البلاد، كيف رأيت الريف عقب كل هذه السنوات وما الذي تغير؟
للأسف فوجئت بعمران همجي ومتوحش، لقد تم تشويه الطابع الموريسكي في العمران الذي خلفه الإسبان في المنطقة، بنايات عشوائية وشوارع ملوثة ولكن الأمل يبقى في شباب هذه البلاد، هناك وعي كبير اليوم للنهوض بهذه المنطقة والبلاد ككل لبناء دولة الحق والقانون، ولكن هناك خصوصيات في هذه المنطقة وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار من طرف هؤلاء الشباب. فمشروع الجهوية الأخير مبني على مؤشرين، المساحة والنمو الديمغرافي، هل هذا كاف لإنشاء جهات في المستوى؟ هناك مؤشرات أخرى يتم إهمالها كالثقافة و… 

خلال الفترة الأخيرة، يعتبر البعض أن منطقة الريف حققت مصالحة مع النظام. ما رأيك في هذه المصالحة؟
لقد تجولت في أنحاء المنطقة ولاحظت أمرا مهما، في كل الأماكن التي كنت أدخلها وجدت صورة محمد السادس مع العلم بأنه في الماضي لم تكن مدن الريف تحمل صور الحسن الثاني، الأخير لم يكن يحب أبناء المنطقة وهم كذلك، اليوم هذه المناطق لم تعقد مصالحة مع المخزن ككل ولكن مع شخص واحد هو الملك، لأنه قام بعكس ما قام به والده، أعتقد بأن أبناء المنطقة مازالوا على خلاف وعداوة مع المخزن ومصالحتهم اقتصرت على الملك. والمخزن للأسف يختبئ وراء الملك ويقوم بأعمال بشعة من وراء ظهر الملك، وعلى الأخير أن يعلن القطيعة مع هذا المخزن لتستمر مصالحته مع أبناء الريف. لحد الآن شخصية الملك محترمة في الريف على عكس المخزن بكل أقطابه.

عودتك إلى المغرب أتت في ظرفية خاصة سواء على المستوى الوطني أو العربي، فالمغرب أطلق مشروع إصلاحات دستورية، كيف ترى هذا الإصلاح وما هي الأولويات حسب تصورك؟
أولا أنا لا أتفق مع الطريقة التي تم بها تشكيل هذه اللجنة، والغريب أن رئيس هذه اللجنة عبد اللطيف المنوني كان يقول بأننا لسنا في حاجة إلى تعديل الدستور واليوم يشرف على هذا المشروع، هذا تناقض غريب ويجعل اللجنة بعيدة عن التمتع بالمصداقية المفروضة، من يجب أن يشارك في الإصلاح الدستوري هم فعاليات المجتمع المدني والأحزاب السياسية من دون إقصاء أي حزب، لأن المسألة سياسية بالدرجة الأولى وتتطلب مشاركة مختلف مكونات المجتمع المغربي. بالنسبة للنقط السبعة التي أشار إليها الملك في خطابه هي صحيحة ولكنها تبقى عبارة عن علب سوداء، مثل نقطة القداسة التي لا أتفق معها.

وما رأيك في عدد من الأمور المطروحة لأول مرة للنقاش في المغرب، كطقس تقبيل اليد والانحناء وحفل الولاء السنوي ووثيقة البيعة؟
الطريقة التي تمت بها البيعة لا تتطابق مع البيعة التي نعرفها والتي عرفها تاريخ المغرب كما شرحها عبد الله العروي في عدد من كتاباته، البيعة تتطلب الاتصال بمجموعة من الفقهاء الذين يمثلون السلطة التشريعية، وإن أهل الدين يعوضهم اليوم أعضاء البرلمان، ورأينا سنة 1962 عندما  تمت مبايعة الحسن الثاني رفض بلعربي العلوي مبايعته وبالرغم من ذلك تمت طقوس البيعة وحكم الحسن الثاني، نحن اليوم بحاجة إلى الخروج من هذه المتاهات التقليدية والمرور إلى العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين وهذا العقد الاجتماعي كحال كل العقود يجب ألا يتم من دون موافقة الطرفين، وهذا العقد الاجتماعي كفيل بوضع حد لمفهوم الرعية ليحل مكانه مفهوم المواطن.

لا أتفق مع الاختيار السياسي لبنشماس والعماري من بلطجية الريف الدين سأحاربهم 
 
ما رأيك في الدور الذي يمكن أن يلعبه أبناء الريف في مشروع بناء دولة الحق وقانون، هل سيبقون منطوين على أنفسهم ؟
أظن بأن أبناء الريف يلعبون دورهم منذ الستينات، والتحويلات التي قام بها المهاجرون في الخارج من أبناء المنطقة كلها وجهت إلى مدن المركز وأنجزت بها مشاريع واستثمارات كبيرة، منذ البداية ونحن نساهم ومجتمعنا يسهم بشكل كبير في مختلف المجالات، ويساهم في الاقتصاد المغربي، المشكل ليس في أبناء المنطقة ولكن المخزن هو الذي همش هذه المنطقة والمفروض أن تساير المنطقة اليوم النمو الاقتصادي ويجب منحها فرصة الإقلاع السياسي والاقتصادي.

هناك مجموعة من أبناء المنطقة اختاروا مؤخرا الدخول في إطار حزب معين من بينهم بنشماس والعماري، ولكن دخولهم إلى عالم السياسة من خلال هذه النافذة أثار الكثير من الجدل، ما رأيك في هذه التجربة التي خاضها عدد من أبناء المنطقة؟
شخصيا لا أتفق مع هذه التجربة مع احترامي للسيد بنشماس الذي كان زميلي في نفس الزنزانة رقم 106 في سجن وجدة، ولا أتشاطر معه نفس الاختيارات بالرغم من أنني التقيت به في بروكسيل لحشد الدعم لـ”نداء الحسيمة” بعد الزلزال الشهير، وهو سيبقى كصديق لكنني في نفس الوقت لا أساند اختياراته السياسية في إطار حزب صديق الملك، أما الشخص الثاني المدعو العماري فأنا أتساءل لماذا تعطونه هذه القيمة؟  نفختم كثيرا في قيمته سواء الفكرية أو الثقافية أو السياسية حتى إنني أتساءل أحيانا لماذا لا تقوم الصحافة بتحقيق ميداني، هذا الشخص ليس حاصلا حتى على الشهادة الإعدادية، ولايستطيع تكوين جملة مفيدة، شعاراته كلها استقاها من بعض التظاهرات، وهو يخلط بين التفاوض كأسلوب علمي يتطلب دراسة والبلطجة التي يتعلمها الناس في السوق والشوارع و”البيران”، لدا يجب إعادته إلى مكانه الحقيقي والكف عن النفخ فيه، فالعماري إنسان “خرج على الريف وعلى راسو” ويجب ألا نسمح له “يخرج على البلاد كلها” وقد راينا ما فعله في الصحراء وهو إنسان أثبت بأن مكانه ليس في الساحة السياسية.

هناك من بدأ في تحليل أسباب عودتك، هل تريد أن تلعب دورا معينا في بناء دولة الحقوق والحريات كما تتصورها؟ 
لا أحد يكره العيش بسلام في أرضه ووطنه، خروجنا من هذه البلاد كان بسبب معاناتنا مع القمع والإرهاب والعنف، خرجنا نبحث عن ملجأ نعيش فيه بسلام ونتم فيه دراستنا، لم أتوقف قط عن النضال من أجل إطلاق سراح مجموعة من الرفاق من معتقلي الرأي في المغرب، وكان لي في نفس الإطار مجموعة من الأنشطة، لذلك فنضالي من اجل بناء دولة الحقوق والحريات لم يبدأ بعودتي إلى المغرب فقط، ولكن موقعي اليوم سيسمح لي بأن ألعب دورا أهم وسيسمح لي أن أكون على قرب من مختلف القضايا التي أدافع عنها، والقضاء على بلطجية الريف كإلياس العماري، ولكن إذا كان حضوري لا يمثل أية قيمة مضافة في بلادي سأعود إلى بلجيكا حيث قد يكون لي دور أهم وأكبر.

 
حاوره: يونس مسكين عن جريدة الأسبوع