التأليف المسرحي بشرق المغرب : رؤية و تصور

بقلم : نجــاة الغــوز

لم يحظ أدب المسرح في المغرب بحقه من الدراسة و التمحيص و النقد، بالرغم مما يوجد داخل المكتبات الأدبية المغربية من مسرحيات تشكل في واقع الأمر أرضية للنقاش، و الدراسة و التأصيل المسرحي. إن هذا التهميش و الإقصاء الذي عرفه فن المسرح في المغرب يرجع بالضرورة إلى ضعف الأبحاث الأكاديمية ، و العلمية التي غالبا ما ينصب اهتمامها حول الأجناس الأخرى من شعر و قصة و رواية و نقد …

و حينما نتحدث عن قلة الدراسات المونوغرافية ، المتعلقة بالمسرح فإننا بالضرورة نستحضر كل ما يتعلق بمسألة المسرح ، من الجانب الفني و التقني و كذا الكتابة الأدبية و التشخيص و السينوغرافية … حتى و إن وجدت هذه الدراسات ، فهي دراسات قليلة و مركزية بالضرورة تغلب مسرح منطقة على حساب أخرى ، فيما يسمى بالحتمية الجغرافية كما يسميها الدكتور مصطفى رمضاني .

و ربما ارتكاز النقاد على مسرح منطقة معينة على حساب أخرى راجع بالدرجة الأولى إلى مركزية الإبداع ، بوجه عام من خلال إعلام يسلط الضوء على أعمال غالبا ما تكون خادعة أو موهومة .

و مسرح الجهة الشرقية بوجه عام ، ووجدة بوجه خاص ، لخير نموذج عان من الإقصاء و التهميش الممنهج بالنسبة للنقد المسرحي باعتبار المنطقة بعيدة عن أضواء المركز . و هذا ما أدى إلى غياب الدرس النقدي المسرحي ، للجهة الشرقية من الأجندة الأدبية ، و النقدية و هو ما يعني و بطريقة جدلية ، تغيب و ضمور أسماء و أعمال كان لها اليد الطولى في بلورة التجربة المسرحية على مستوى الجهة الشرقية ، في جانب الكتابة و التأليف أو الإخراج أو التمثيل … و لكن أمام إصرار بعض الجهات المسرحية أو ما يسمى بمسرح الهواة ، و الذي قام بحصد جوائز لفتت انتباه الإعلام الوطني و الدولي و كذا الأقلام النقدية التي كانت ترى مسرح الجهة الشرقية من فتحة الباب فقط ، و هنا نستحضر المسرح العمالي الذي أسس رؤية و أرضية مسرحية كانت و ما تزال تؤثر في الإعمال المسرحية الوطنية بعلميها محمد مسكين و يحيى بودلال ، بالإضافة إلى أقلام شرقية أبت إلا أن تسجل حضورها على المستوى المحلي و الوطني و كذا الدولي لا يمكن حصرها ، وهنا و أمام مشكلة قلة الدراسات النقدية لصيرورة المسرح بالجهة الشرقية ، تظهر دراسات جادة و رصينة و متبصرة تقدم رؤية عن المسرح في الجهة الشرقية في محاولة منها لإعادة الاعتبار لهذه الجهة التي عانت الويلات بسبب سياسة التهميش و الإقصاء التي طالتها منذ عهد الحماية ، من بين الأقلام الجادة التي حاولت تقديم بيبليوغرافية حول المسرح في الجهة الشرقية نجد الباحثة الدكتورة حياة خطابي حاضرة بقوة من خلال دراسة أكاديمية صارمة و جادة معنونة ب ” التأليف المسرحي بشرق المغرب ” إنها في حقيقة الأمر إضافة نوعية إلى خزانة الدراسات الأدبية في الجهة الشرقية بقيمة مضافة وبقلم تاء التأنيث التي أبانت عن قدرة كبيرة في البحث ، و التحليل و الدراسة بمنهجية علمية صارمة مقيدة بمصادر متنوعة ، مزاوجة بين مصادر محلية و وطنية و عالمية أجنبية من اجل الإحاطة و بشكل دقيق بأدبيات المسرح بشكل عام و مسرح الجهة الشرقية بشكل خاص ، تحاول من خلاله التأريخ لمسرح الجهة و مكوناته الفنية و التقنية و الهيكلية ، و هي محاول من الكاتبة من اجل الإحاطة و بشكل شامل و دقيق و منهجي بالتجربة المسرحية الشرقية كاملة ، و لم تعطها الدراسات السابقة حقها من الدراسة و التمحيص و النقد . إنها دراسة و لبنة في البناء المسرحي للجهة لبنة بأسس علمية منهجية و دقيقة صلبة تتأسس على جانب أساسي ألا و هو الجانب الأكاديمي ، و الذي منح الدراسة مصداقية و مرجعية قوية يمكن الاستناد إليها من اجل الامتداد في الدراسة و التعمق فيها .

ان هذه الدراسة ما هي في حقيقة الآمر الا إعادة الاعتبار لمسرح الجهة و أعلامه و أقلامه البارزة وطنيا و دوليا من اجل إعادة الاعتبار لمسرح الجهة و خشبته المتينة و المبنية على أسس تتزاوج بين مسرح المحل و مسرح التخيل ،إنها تركيبة متناغمة و منسجمة تهدف من خلالها الكاتبة إلى تقديم عمل منهجي ، و علمي صارم من اجل بناء لبنة في صرح المسرح المغربي بأسس علمية صارمة و منهجية متينة .

يتناول الكتاب مسالة التأليف المسرحي بالنسبة للجهة الشرقية ، في علاقته بالمبدع و المتلقي و بالنص و العرض و ارتباطه بالتأليف في علاقته بالوطني و العالمي ،عملت الدكتورة على تقديم مدخل تحاول من خلاله إبراز علاقة المسرح بالجهة الشرقية بمسرح المركز، و بمسرح العالم و إعطاء خصوصيات الكتابة المسرحية في الجهة الشرقية ، من خلال صيرورة الحوار و التأليف و الكتابة وبناءها و الأنساق اللغوية التي يتمخض عنها هذا العمل …

و قد حاولت في القسم الثاني التأصيل لرؤى و مرجعيات فكرية تؤسس لمرحلة الأعمال الإبداعية في الجهة و ارتباطها بإيديولوجيات المرحلة السياسية . دون أن تغفل البعد الإسلامي ، آو الرؤية الإسلامية عند بعض كتاب الجهة و التي تتجسد و بشكل جلي جدا على خشبة المسرح عبر استنطاق جملة من النصوص المسرحية ذي المرجعية الإسلامية .

وما يميز الدراسة هو التركيز و الدقة و التمحيص دون التنصيص على جانب العرض و المكونات الفنية و التقنية ، التي تميز فن المسرح على أساس أنها خطوة أكاديمية ستأتي في المرحلة الموالية عبر دراسة جديدة و إصدار جديد .

إن حقيقة اعتبار هذه الدراسة مرجعا ثقافيا و أكاديميا و فنيا لا مناص منها و هي زبدة بحث جاد مطول أفضى إلى تأسيس رؤية ،و تصور للتأليف المسرحي في الجهة الشرقية بقلم نسائي خاض غمار الدراسة المسرحية الدرامية بشغف قل نظيره ، و بعمل يعد قيمة مضافة و نوعية للخزانة الإبداعية و الدراسية بالنسبة للجهة الشرقية يفتح شهية البحث و استفزاز قريحة الدراسة النقدية .