التنصير في الصحراء المغربية مسكون بروح التفتيت والتجزيء

د . محمد السروتي . 

لم يكن الأمر “مجرد صدفة” أن يورد تقرير”مركز بيو PEW لأبحاث الأديان والحياة العامة” خريطة مجزئة للمغرب تشير إلى عدد النصارى في القسم الشمالي من المغرب، كما هو مبين في الصورة المرفقة، أما القسم الثاني فيورد معطيات عنهم في الصحراء المغربية، وكأننا أمام كيانين منفصلين جغرافيا وسياسيا… لهذا أشرنا في مقالات سابقة إلى ضرورة إيلاء الاهتمام الجدي بظاهرة التنصير في المغرب والإحاطة بأبعادها الحقيقية… وعدم الاكتفاء بالتعامل الموسمي أو بردات الفعل التي لا تقدم وبل تأخر في التعاطي مع هذه الظاهرة… وعليه يبغي إعادة النظر في بعض النقاشات حول ظاهرة التنصير، التي تحرف الموضوع وتضعه في إطار النقاشات الفكرية المتعلقة بحرية التعبير، في محاولة لتجريده عن الخطورة التي يمكن أن تحدثها ظاهرة التنصير على مستوى السلم الاجتماعي مستقبلا.
 
وفي هذا الإطار أعتقد أنه ينبغي على المختصين المهتمين أن يكونوا أولا على حذر شديد في تعاطيهم مع المعطيات المتعلقة بظاهرة التنصير، خصوصا تلك الصادرة عن المؤسسات الأجنبية، وإن ادعت الحياد والموضوعية… وثانيا ينبغي استحضار أن هذه الظاهرة مسكونة بروح الانفصال والتفتيت، ويتجلى الترابط الوطيد بين التنصير وتكريس التجزئة والانفصال، في سعيها الحثيث إلى استنبات الأقليات من خلال إيراد معطيات عن نسب مرتفعة للمتنصرين في البلد أو المنطقة المستهدفة، وتوظيفها لخلخلة البنية الدينية أولا، ثم بغية أن تكون عنصر إضعاف وابتزاز على المدى المتوسط والبعيد، وعادة ما يتم العمل لذلك وفق استراتيجية بمداخل متعددة ومتوازنة تبدأ بالعمل الإنساني الإغاثي وتنتهي بالضغوط السياسية والاقتصادية، وتظهر بوادره في شكل تقارير عن “اضطهاد للأقليات أو “تضييق على الحريات” ، ثم تنهي بتدخلات منها الظاهرة والخفية بغية حماية الأقليات “المضطهدة” في أسوء الحالات، …
 
لذا ليس من غريبا أن تجد حركة التنصير بشكل عام مجالها الخصب، حيث يوجد الفقر والتهميش، وهو ما يفسر امتدادها وانحسارها في بعض البيئات، وللوصول إلى التجزئة تعمد الحركة التنصيرية لدفع بعض الأوساط إلى حالة “اللاتوازن” أو دعمها سياسيا وماديا..
 
كل هذه الأمور تقودنا لضرورة وضع ظاهرة التنصير في سياقها الصحيح، المتمثل في كونها مشروعا سياسيا أكثر من كونه رسالة دينية، وأستحضر هنا كلمة للشيخ الغزالي أن لو كان المنصرون صادقين حقا في دعوتهم لكانت أوساطهم اللادينية أحق بهذه الدعوة وأجدر من أوساطنا… لذا حق القول بأن التنصير يهدف أساسا للتجزئة وإحداث أقليات جديدة بغية تفتيت المجتمعات سياسيا ودينيا ليسهل بعد ذلك ضمان تبعيتها وانقيادها التامين لمصالح المنظمات التنصيرية وللدول الداعمة لها، وعادة ما تكون البوادر الدالة على مثل هذا المسار تزايد النشاط التنصيري لمؤسسات ومنظمات تختفي وراء خطابات حقوق الإنسان والتنمية والتعليم… ويعد كل من جنوب السودان وتيمور الشرقية حالتين بارزتين في هذا السياق، حيث أدى الاهتمام التنصيري لتقوية روح الانفصال والتجزئة لدى سكان المنطقتين، انتهت في الحالتين إلى الانفصال… ولا أريد في هذا المقال أن أتحدث عن الحالتين السابقتين بقدر ما أريد الوقوف على بوادر هذا المسار في الحالة المغربية.
 
أما على مستوى المغرب، فالمتتبع يلاحظ وجود سعي حثيث لمنظمات تنصيرية لتشكيل أقلية نصرانية في صفوف سكان مخيمات المحتجزين في تندوف، ويزيد من خطورة هذا المسعى وجود منظمات تتخفى وراء المساعدات الإنسانية وخطاب “حقوق الإنسان”، وفي الوقت ذاته تعتبر فاعلا أساسيا في العداء للوحدة الترابية للمغرب، فمؤسسة “منتدى الدفاع” المتخفية وراء أهداف إنسانية وإغاثية، ومنذ أول نشاط لها لصالح البوليساريو في سنة 1993 وإلى اليوم أصبحت حاملة لمشاريع خطيرة على مستقبل المواطنين المغاربة المحتجزين في تندوف…
 
واستطاعت في الوقت ذاته ضمان مساندة اللوبي الإنجيلي في الكونغرس ضد وحدة المغرب الترابية، وضمن هذا اللوبي “جيمس إنهوف” وهو أشرس النواب المتطرفين دفاعا عن البوليساريو، دون أن ننسى أنشطة كنيسة “صخرة المسيح” التي خصصت مشروعا قائما للنشاط التنصيري في المخيمات مدعومة بموقع على الإنترنت يدعو النصارى لأن يكونوا صوتا مساندا للصحراويين في “تقرير المصير”، وسبق لهذه المنظمة التنصيرية أن قامت بتنظيم وقفة احتجاجية أمام البيت الأبيض، وبجولة بالكونغرس في يوليو 2007 للتأثير على سير مفاوضات مانهاست.
 
كما يمكن الإشارة إلى مؤسسة “كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان” التي زارت مخيمات تندوف، في مهمة تجاوزت الهدف الإنساني والحقوقي، إلى طرح قضايا لها ارتباط بحملات التنصير التي تقوم بها المؤسسة لمصلحة كنيسة “صخرة المسيح”، حيث ألزمت كيري كينيدي للأسف السلطات الجزائرية بضمان إيواء “طاقم ديني” لا علاقة له بحقوق الإنسان يضم فرقا تبشيرية من كنيسة “صخرة المسيح”، وتم الاتفاق على استقبال حوالي 500 طفل صحراوي سنويا، يقضون عطلتهم الصيفية بأمريكا، في إطار “برنامج الأطفال الصحراويين” الذي ترعاه هذه الكنيسة منذ سنة 2002، وتتحدث بعض المصادر أنه من سنة 2010 إلى حدود غشت 2013 تم تهجير أكثر من 4500 طفل، والملاحظ أن عدد الأطفال المستفيدين من العملية عرف تزايدا ملحوظا هذه السنة تحت يافطة “فسحة السلام” لصيف 2013، وتندرج ضمن مشروع أطلقت عليه الجبهة اسم: “جيل الجمهورية الثالث”، وقد جنت قيادات البوليساريو من هذه العملية الأكبر من نوعها إلى حد الآن أموالا طائلة تصل إلى 50 ألف أورو من العائلات الأجنبية التي تكون عادة بدون أبناء بحيث يتم فصل الأطفال عن أمهاتهم وأسرهم في تندوف بدون رحمة ولاشفقة، فقد كشف تقرير للجنة الأمريكية لشؤون اللاجئين والمهاجرين صدر في 2010، عن تورط قادة جبهة البوليساريو الانفصالية في قضايا يُجرمها القانون الدولي تتمثل في الاستغلال والعنف الجنسي والتعذيب والتجارة في الأطفال… كما وصف منتدى “فورساتين” هذه الوقائع بـ”الخطيرة”، التي كشفت عن فظاعة قادة جبهة البوليساريو، الذين يقومون بدور الوساطة في هذه “العمليات القذرة”… كما أطلقت المؤسسة النصرانية السالفة برنامجا لإدخال برامج أساسية في التعليم مثل الإنجليزية والفنون والموسيقى، وهي كلها برامج للتغطية على أنشطتها التنصيرية.
 
إن الوضع اليوم في مخيمات العار يكشف بجلاء الانحدار الأخلاقي لما يسمى جبهة البوليساريو، وكيف تتاجر بالقيم والمبادئ والدين في سبيل مصالح قياداتها وأطروحتها الانفصالية الوهمية، بل هي أوضح صور الخسة والنذالة التي وصلت إليها هذه القيادة في استغلالها البشع لمحتجزي تندوف بالتمسح على عتبات الكنائس والحركات التنصيرية وبيع الذمة والدين بثمن بخس، في صفقات بينها وبين كنيسة “صخرة المسيح” ورئيستها”جانيث لاينز”… وغيرها من المنظمات المسيحية المتطرفة، وغالبا ما يكون المقابل جني المساعدات الغذائية التي تتنهي بعض في السوق السوداء لبعض دول الجنوب، وكذا محاولة الحصول على التأييد الدولي في المعركة الدبلوماسية الخاسرة التي يقودونها ضد الوحدة الترابية المغربية… وهي ممارسة ارتزاقية بكل المقاييس ينخرط في تنفيذها للأسف حتى بعض انفصاليي الداخل، الذين يكونون بمثابة الدروع الواقية لدعاة التنصير… فليس غريبا أن يسير هؤلاء على نفس خطى أسيادهم فقد عربت جبهة البوليساريو في سنوات سابقة عن استيائها من قرار السلطات المغربية بطرد إحدى المنصرات من المغرب بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بمطالبة الامم المتحدة بالتدخل في هذا الشأن الداخلي للبلاد من أجل وقف ما اسمته الممارسات المغربية الخطيرة.؟؟
 
ولعل خطورة الوضع في تندوف دفعت العلامة “قدور قرناش” عضو جمعية العلماء الجزائريين للتحذير منه في مقاله المنشور بجريدة الخبر الجزائرية في يونيو 2013 تحت عنوان “حتى لا يصبح الصحراويون نصارى” حيث قال فيه:”إن المأساة الكبرى التي تتهدّد إخواننا الصحراويين في مخيّمات اللجوء هي فقدانهم لدينهم وعقيدتهم، خاصة فئة الناشئين منهم، إذ أمام إحجام ذوي القربى عن مساعدة إخوانهم الصحراويين نشطت منظمات الإغاثة العالمية، والتي شعارها “نقدّم الرغيف بيد والصليب بيد أخرى”، فهذه المنظمات مما تقوم به حسب ما ذكر المعنيون ووفد من الجمعية، هو تقديم المساعدات ومعها الإنجيل، كما تقوم، أيضا، بأخذ الأطفال الصحراويين في كل عطلة صيفية إلى أوروبا للتخييم، ثم توزعهم على الأسر هناك، لتتلقفهم أيادي التبشير، بل تبقى هذه العائلات في اتصال معهم بعد عودتهم إلى المخيمات، ؟؟؟.”
 
إن فشل جبهة البوليساريو سياسيا وانحدارها أخلاقيا، بعدما لم يتأت لها تحقيق أي إنجاز نوعي بالورقة الحقوقية بعد أساليب الدعاية السياسية والإعلامية تحت عباءة الجيران في المنتديات الدولية، تحاول هذه المرة عبر رجالات الدين النصراني استعمال “الدين” كشكل جديد من أشكال الدبلوماسية التي تراهن عليها بغية إنهاك الموقف التفاوضي المغربي…
 
ولعل من الأمور المثيرة للاستغراب حسب مقال نشر سابقا على هسبريس تحت عنوان “كيف أعلنت البوليساريو توبتها إلى الله في محراب المسيحية” المسألة المتعلقة بتدين جبهة البوليساريو وسرعتها الكبيرة في تغيير الوجهة فبعدما قامت بجبر المجتمع الصحراوي المحافظ على أن يكون شيوعيا، وأجبرتهم على الصلاة بالقصر، ومنع الصيام طبقا لفتوى أصدرها قادتها… وهي في ذلك تتغيى تشويه هوية المجتمع الصحراوي، وخلق فراغ روحي فيه، ليكون طيعا منقادا لنزوات الجبهة مهما بدت شاذة وغريبة.
 
وخلاصة القول، فالرسالة التي يجب أن تعيها وتفهمها الجهات الرسمية وغيرها… أن التنصير لم يعد يتغيى تحويل الناس من دينهم إلى النصرانية فقط، وإنما أصبح يتوخى إيجاد مجموعة بشرية تدفع إلى إحداث التوتر الاجتماعي… بل إن المؤشرات الآنفة تفيد أن الخطر السياسي لمشروع التنصير يتجاوز الترف الفكري وحرية التعبير، ليمس بعدا استراتيجيا يتعلق بمستقبل الوحدة الترابية وبتماسكها الاجتماعي والديني،،، وهو أمر لا ينبغي الاستهانة به والتغاضي عن خطوته، خصوصا وأن محاولات المنظمات التنصيرية لتفتيت وتجزئة البلدان ليست خافية عن أحد، ولا هي الأولى من نوعها، فحالتي جنوب السودان، وتيمور الشرقية، نموذجان بارزان عن نجاح السياسة التنصير في تفكيك تلك المجتمعات…
 
* كلية الآداب مكناس