الحاجة إلى ثورة «كوبرنيكية» مغربية

محمد بودهان
المغرب بلد غير متقدم:
 
علمونا في الكتب المدرسة أن مرحلة الاستعمار الفرنسي والإسباني، التي عرفها المغرب، كانت من أحلك فترات تاريخه، ذلك أن السلطات الاستعمارية لم يكن يهمها إلا نهب خيرات البلاد واستعباد العباد، وقتل المقاومين، ومحاولة فصل المغرب عن هويته العربية الإسلامية. وجاء نور الاستقلال ـ بعد ظلام الاستعمار ـ فاستعاد المغرب الحرية والكرامة، فانطلقت مسيرة البناء والنماء والتقدم.
 
وقد مرت الآن على حصولنا على الاستقلال أزيد من نصف قرن. فماذا حققنا خلال هذه المدة؟
 
فسواء قيّمنا ما أنجز خلال هذه الفترة من الداخل، أي باعتبار ما كان بإمكان المغرب أن يحققه بالنظر إلى قدراته وإمكاناته وخصوصياته وموقعه وتاريخه وثرواته الطبيعية والبشرية، أو من الخارج، أي مقارنة مع بلدان كانت أوضاعها مشابهة لوضعية المغرب بعد الاستقلال، أو أسوأ منها، لكنها تجاوزت اليوم المغرب بكثير في طريق التقدم والنمو، فإن الحصيلة مخيفة ومحزنة تبعث على الحسرة والألم، وليس لأن المغرب لا يتقدم إلى الأمام، أو لأنه يتقدم بإيقاع بطيء جدا مقارنة مع الوتيرة التي تتقدم بها الدول الأخرى، فحبذا لو كان هذا هو المشكل… وإنما لأن المغرب يتراجع ويتقهقر إلى الوراء:
 
فسنوات الستينيات، التي تلت مباشرة فترة الاستعمار، كانت، من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وحتى السياسية، أفضل من عقد السبعينيات، التي كانت بدورها أفضل من عقد الثمانينيات، التي كانت كذلك أفضل من التسعينيات، التي هي أيضا أفضل من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين. إنه تقدم إلى الوراء: فأعداد العاطلين في تزايد، والقدرة الشرائية للمواطنين في تناقص، والتفكير العقلاني والعلمي في تراجع، والتطرف في توسع مطرد، ونسبة الأمية لا تزال مرتفعة… هذا بالإضافة إلى مؤشرات أخرى أعتبرها، وعلى مستوى آخر، أكثر دلالة على تخلف بلادنا، كتفشي الفساد والرشوة والزبونية ونهب المال العام، واستغلال النفوذ والسلطة للأغراض الشخصية.. وهذه ظواهر سلبية تباعد بين المواطن والسلطة، بين الشعب والدولة، وتشل فعالية المؤسسات وتحول دون أي إصلاح حقيقي.
 
إلا أن المعبر الأبلغ عن تراجع بلدنا في مجال التقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، ودون أن نستشهد بالمراتب المتأخرة التي يصنف فيها المغرب على الصعيد الدولي، هو النظام التعليمي الذي هو مرآة تعطي صورة حقيقية لمستوى النمو ببلد ما، وآفاق تطوراته المستقبلية، لأن التعليم ليس إنشاء للمعامل ولا امتلاكا للسلاح النووي ولا بناء للسدود، بل هو بناء للإنسان الذي به يبنى وينشأ ويمتلك كل شيء. فلا يجادل أحد في أن نظامنا التعليمي يعرف تدهورا وتدنيا وتراجعا ينذر بكارثة وطنية إذا لم يُعد النظر فيه على أسس جديدة وجدية لإنقاذ الأجيال القادمة من هذه الكارثة. والأكثر كارثية في تعليمنا أنه لا ينتج البطالة و”الجهل الأكاديمي” فحسب، بل يدمر العقول ـ الرأسمال الأساسي في كل تنمية ـ ويؤدلج النفوس، ويهيئها لتصبح أصولية في الاعتقاد والسلوك، غيبية في التفكير والحكم، ترفض الاختلاف وتحتقر المرأة، تعادي العقل وتحارب الحداثة.
 
إذن السؤال ليس: هل المغرب بلد متخلف أو يزداد تخلفا؟ بل: لماذا تخلف المغرب ويزداد تخلفا؟ وكيف يمكن أن يتجاوز وضعه هذا ويبدأ نهضة شاملة حقيقية؟
 
مرجعية “الحركة الوطنية” كعائق أمام التغيير والتقدم:
 
كي يتابع القارئ هذا التحليل وهذا الاستدلال، ويفهم ما أريد الوصول إليه، يجدر التذكير أن المجتمعات البشرية، خصوصا المنظمة على شكل دول حديثة، تدبر شؤونها وتبني مستقبلها وتهيئ مخططاتها استنادا إلى مرجعية فكرية وفلسفية من القناعات والخيارات والغايات والأسبقيات، هي التي تبرر وتفسر توجهاتها وأولوياتها واختياراتها في مجال السياسة والتنمية والتعليم على الخصوص. وهكذا فلا يمكن مثلا فهم الاتحاد السوفياتي السابق دون استحضار الفكر الاشتراكي الذي كان يشكل المرجعية الموجهة للدولة السوفياتية، ولا فهم الولايات المتحدة دون العودة إلى الفكر الليبيرالي الذي يشكل المرجعية التي تبرر وتفسر اختياراتها وتوجهاتها، ولا فهم مصر الناصرية للخمسينيات والستينيات دون ربطها بالفكر القوماني الذي كان يشكل المرجعية الرئيسية لسياسة الدولة، ولا فهم بعض الدول الإسلامية (إيران، العربية السعودية، أفغانستان الطالبان سابقا…)، دون استحضار عامل الدين كمرجعية فكرية وفلسفية لهذه الدول.
 
هذه المرجعية الفكرية والفلسفية التي تعتمدها الدولة في سياستها وتخطيطاتها، عندما تصبح متجاوزة ولا تتلاءم مع الواقع المتغير والمتجدد، يصبح التمسك بها والاستناد إليها عائقا أمام التقدم والنمو، والتجديد والتجدد، كما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق مثلا عندما أصبحت المرجعية الاشتراكية تحول دون تقدم هذا البلد بنفس الوتيرة ونفس المستوى للبلدان الليبيرالية.
 
بعد هذه المقدمات الضرورية، نعود إلى موضوعنا لنسأل: ما هي المرجعية التي ظل المغرب يغرف منها ويتحرك داخلها منذ الاستقلال إلى اليوم؟ إنها فكر “الحركة الوطنية” التي تشكل الإطار المرجعي، الفكري والإيديولوجي والفلسفي والتربوي الذي صنع العقل المغربي الحديث، ولا زال يوجهه ويهيمن عليه إلى درجة أن النخبة السياسية (الأحزاب) والمثقفة لم تعد قادرة على التفكير المبدع والمجدد، لأن “الحركة الوطنية” فكرت نيابة عنها، وحددت الموضوعات التي يجب أن تفكر فيها، والطريقة التي ينبغي أن تفكر بها.
 
قد نعتقد جازمين أننا بعيدون عن أفكار “الحركة الوطنية” لأننا ننتمي إلى جيل آخر وعصر آخر. هذا انطباع كاذب ووهم خادع لا يمكن أن نعيه لأن أفكار “الحركة الوطنية”، لشدة تأثيرها علينا، أصبحت جزءا من لاشعورنا السياسي والثقافي، والذي يوجه سلوكنا وتفكيرنا دون أن يكون لدينا وعي بذلك. لا حاجة للتأكيد إذن أن أفكار “الحركة الوطنية” لا يزال لها حضور طاغٍ وقوي ويومي، تعيد إنتاجها وتكررها وتحافظ عليها الأحزاب الوطنية، وذلك من خلال برامجها ورؤاها وممارساتها وإعلامها ونقاباتها ومثقفيها، هذه الأحزاب التي هي في الحقيقة استمرار وامتداد “للحركة الوطنية”، التي هي النموذج الأصلي Archétype الذي تستلهمه وتحاكيه وتقيس عليه نفسها كل الأحزاب تقريبا.
 
بالإضافة إلى دور الأحزاب في تكريس فكر “الحركة الوطنية” والحفاظ عليه كمرجعية أساسية، هناك النظام التعليمي الذي ينشر ويغرس فكر “الحركة الوطنية” ويحيِّنه Actualiser ويعيد إنتاجه. فالمتأمل في منظومتنا التعليمية، سيلاحظ بسهولة كيف أن أفكار وقيم ومبادئ “الحركة الوطنية” لا تزال توجه تعليمنا من حيث المضامين والغايات، بل وحتى من حيث المناهج والطرق. ولهذا فلا غرابة إذا وجدنا أن “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، الذي صدر في 1999، والذي يعتبره المسؤولون خطوة جريئة ومتقدمة في مجال إصلاح المنظومة التربوية، يكرر أفكار “الحركة الوطنية” حول التعريب ومكانة اللغة العربية والدفاع عن الهوية “العربية” للمغرب.
 
ولا يجب أن يغرب عن أذهاننا ـ رغم ما قد يبدو في ذلك من مفارقة ـ أن “البوليساريو” هو من صنع أفكار “الحركة الوطنية”. فالانفصاليون تعلموا تلك الأفكار “الانفصالية”، ذات المصدر الشرقاني العروبي، في المدرسة المغربية التي تؤطرها المرجعية الفكرية والإيديولوجية “للحركة الوطنية”. بل إن بعض مؤسسي “البوليساريو” هم من الشخصيات التاريخية البارزة في “الحركة الوطنية”، تحالفوا ضد وطنهم مع بعض الأنظمة القومانية الشرقانية لإنشاء “جمهورية عربية” أخرى، خدمة لوحدة الأمة العربية بالإكثار من جمهورياتها ودويلاتها!
 
تشكل إذن “الحركة الوطنية” مرجعية فكرية وإيديولوجية وتربوية للعقل المغربي المعاصر. فحتى آليات التفكير ومفاهيمه وموضوعاته هي إنتاج “للحركة الوطنية”، بل إن “المغرب”، كمفهوم جغرافي وتاريخي وسياسي وثقافي وإثني وهوياتي ولسني، هو من خلق “الحركة الوطنية”. وهي بهذا الخلق، لم تكتف بتحديد ما سيكون عليه المغرب انطلاقا وبداية من زمن “الحركة الوطنية” (الثلاثينيات فما بعد) برسم الإطار المرجعي الفكري والثقافي والإيديولوجي والهوياتي الذي سيوجه المغرب في المستقبل، بل ــ وهذا هو الأخطر ــ حددت كذلك ماضي المغرب وتاريخه: فمع “الحركة الوطنية”، أصبح ماضي المغرب، وتاريخ المغرب، ووجود المغرب… يبتدئ مع دخول العرب والإسلام إلى شمال إفريقيا. فليس له من هوية ولا من ماضٍ ولا من تاريخ إلا ما هو عربي إسلامي. أكثر من هذا أن “الحركة الوطنية” حددت من هم الوطنيون والشهداء، ومن هم الخونة والعملاء!.
 
إن هيمنة هذه المرجعية الفكرية والذهنية “للحركة الوطنية” على العقل المغربي، هي أحد الأسباب الرئيسية لتخلف المغرب، لأن هذه المرجعية أصبحت، مع مرور الأيام، عائقا أمام أي تقدم ونمو وتجديد وتغيير. كيف يتغير المغرب ويتقدم ويتجدد في الوقت الذي توجهه أفكار صيغت في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وكانت أجوبة على أسئلة تلك المرحلة؟ كيف ينهض المغرب في الوقت الذي تحكمه أحزاب لا زالت تقيس نفسها على نموذج “الحركة الوطنية” وتعتبر نفسها وريثة لها؟ لهذا فإن المغرب، رغم كل المجهودات التي بذلها منذ الاستقلال من أجل النهوض والتنمية والتقدم، يبدو كمن يراوح مكانه، أو كمن يسير في طريق دائري، حيث يعود كل مرة إلى نقطة الانطلاق، فتضيع جهوده بشكل “سيزيفي” وبلا فائدة.
 
الحاجة إلى ثورة “كوبرنيكية” مغربية:
 
ليخرج المغرب إذن من تخلفه، ويسير في طريق مستقيم غير دائري، يجب أن يتخلص من الإطار/القيْد المرجعي “للحركة الوطنية” الذي يمنعه من الانطلاق والنهوض… يجب أن يحدث قطيعة مع مرجعية “الحركة الوطنية” على شكل “ثورة كوبرنيكية” مغربية. وأستعمل هنا عبارة “ثورة كوبرنيكية” بمعناها الحقيقي الأصلي المعروف في تاريخ العلم والفلك. فلا علاقة إذن للفظ “الثورة”، هنا، بما يعنيه في المجال الاجتماعي والتاريخي، مثل: “الثورة الفرنسية”، “الثورة الروسية”، “ثورة الفاتح القذافية”… إلخ. هذه هي “الثورة” التي يحتاجها المغرب، “ثورة” بالمفهوم الكوبرنيكي، وليس “الثورة” بالمفهوم الاجتماعي المتداول في فكر “الحركة الوطنية” نفسه وامتداداته لدى المثقفين والكتاب المغاربة، لأن “الثورة الكوبرنيكية” هي ثورة إبستيمولوجية على مستوى العقل وطرق التفكير والنظرة إلى العالم والكون. فهناك إذن تماثل بين حالة الفكر أو العقل المغربي، وبين حالة الفكر أو العقل لما قبل “الثورة الكوبرنيكية”:
 
1 ـ توقف العقل عن الإبداع والتجديد لما يزيد عن أربعة عشر قرنا، من بطليموس Ptolémée (100 ـ 170 م) إلى كوبرنيك (1473 ـ 1543م). فكل “المعرفة العلمية”، طوال هذه المدة، لم تكن سوى تفسير وشرح وتكرار وإعادة إنتاج “للحقائق” التي يتضمنها العلم البطليموسي. والعقل المغربي، كذلك، توقف عن الإبداع والتجديد منذ ظهور “الحركة الوطنية” إلى اليوم: فـ”الجديد” ليس إلا تكرارا وشرحا وتمجيدا وإعادة إنتاج لأفكار “الحركة الوطنية”.
 
2 ـ قبل الثورة الكوبرنيكية كانت هناك مرجعية “بطليموس” التي كانت تقوم على اعتبار الأرض هي مركز الكون. أما الشمس فهي مجرد نجم تابع للأرض يدور حولها، الشيء الذي كان عائقا أمام تقدم العقل والعلم والمعرفة لفهم الظواهر الفلكية والكونية. وتماثل هذه المرجعيةَ البطليموسية في حالة المغرب، مرجعيةُ “الحركة الوطنية” التي رسّخت، بمبادئها وخياراتها وفلسفتها وذهنيتها الأندلسية ونزعتها الشرقانية، العروبةَ والمشرق العربي كمركز يدور حوله الفكر المغربي الحديث، الشيء الذي أصبح عائقا أمام نهضة المغرب وتقدمه.
 
3 ـ تمثلت “الثورة الكوبرنيكية” في قلب العلاقة بين الشمس والأرض، فأزيحت هذه الأخيرة من مركزيتها وأصبحت مجرد كوكب يدور حول الشمس. كذلك نحتاج في المغرب إلى ثورة مماثلة تقلب العلاقة بين العقل المغربي والمشرق العربي، بحيث لا يبقى هذا الأخير مركزا يتبعه هذا العقل المغربي ويدور حوله دورانا. وهذا شرط تحريره من أسر مرجعية “الحركة الوطنية”، التي أصبحت، مثل نظام بطليموس، تمنع أي تجديد وتقدم. فما هي شروط “الثورة الكبرنيكية” المغربية؟
 
الدولة الأمازيغية كثورة “كوبرنيكية” مغربية:
 
يعتبر المغرب، منذ فرض الحماية الفرنسية في 1912 إلى اليوم، دولة عربية، وجزءا من الوطن العربي، وعضوا بالجامعة العربية الخاصة بالدول ذات الانتماء العروبي. لقد أصبح تابعا في هويته للهوية العربية التي جعلت منها “الحركة الوطنية” نجمه الهوياتي الذي يدور حوله ككوكب صغير يستمد حركته ونوره ووجوده من ذلك النجم المركزي الثابت. هكذا فقد المغرب، منذ الاحتلال الفرنسي، استقلاله الهوياتي، مع ما يستتبع ذلك من فقدانه لاستقلاله على جميع المستويات الثقافية واللغوية والفكرية والفنية. فكل إبداع، غناء كان أو رقصا أو أدبا أو اجتهادا دينيا أو فكرا فلسفيا أو إعلاما…، يجب، حتى يعترف به كإبداع، أن يقاس بمدى مطابقته للمعايير التي يحددها المركز الذي يمثله المشرق العربي. وإذا عرفنا أن هذا المشرق غارق حتى الأذنين في التخلف الفكري والعلمي، نفهم لماذا صُنّف المغرب في مؤخرة الدول العربية على مستوى التعليم (تقرير البنك الدولي لفبراير 2008). فالتابع للمتخلف، لا يمكن إلا أن يكون أكثر تخلفا من سيده بحكم أنه يستمد منه كل مقوماته الهوياتية والثقافية والفكرية.
فالاستقلال الهوياتي للمغرب عن المشرق العربي كمركز يتبعه ويدور حوله، هو إذن شرط واقف للقطع مع جزء من أسباب تخلف المغرب. وهذا الاستقلال الهوياتي لا يمكن أن يتحقق إلا بالإعلان الرسمي أن المغرب دولة أمازيغية، بالمفهوم الترابي وليس العرقي، أي دولة ذات هوية أمازيغية تستمدها من الأرض الأمازيغية الإفريقية التي تسود عليها هذه الدولة، كما هو حال كل هويات الدول في كل بلدان الدنيا باستثناء حالات الاستعمار التي لم تعد موجودة إلا بشكل نادر واستثنائي.
 
هذه هي “الثورة الكوبرنيكية” التي يحتاجها المغرب: فبدل أن يستمر في التبعية للعروبة كمركز هوياتي يدور حوله، يصبح هو مركزا لذاته ومحورا هوياتيا لها يدور حوله في استقلال هوياتي تام عن المراكز الأخرى. وهذا هو المضمون الهوياتي للدولة الأمازيغية التي يكون محورها ومركزها هما الهوية الأمازيغية النابعة من الأرض الأمازيغية للمغرب.
 
هذه “الثورة الكبرنيكية” الهوياتية للمغرب، التي يجسدها إعلان المغرب أنه دولة أمازيغية، والتي تحرر المغرب نهائيا من التبعية لمركز هوياتي خارج أرضه الأمازيغية الإفريقية، لا يعني العداء للعروبة كهوية لشعوب أخرى غير أمازيغية هي الشعوب العربية، بل يعني فقط الانفصال الهوياتي عن هذه العروبة التي هي هوية شعوب تقع أرضها بالقارة الأسيوية وليس بشمال القارة الإفريقية التي ينتمي إليها المغرب. أما ما عدا ذلك فإن المغرب، كدولة أمازيغية، يجب أن يقيم وينمّي علاقات تعاون وشراكة وصداقة مع الدول العربية، يكون أساسها مصلحة الدولة الأمازيغية، وليس الانتماء “العربي” المزعوم للمغرب، كما هو الشأن في إطار الدولة العروبية الحالية لهذا المغرب.
 
فالدولة الأمازيغية، هي أبعد ما تكون عن العداء ذي الدوافع العرقية والعنصرية، لأنها ذات مضمون ترابي يحدد هويتَها الأمازيغيةَ الانتماءُ إلى الأرض الأمازيغية للمغرب وليس إلى العرق الأمازيغي. فكل من ينتمي إلى هذه الأرض، حتى لو كانت أصوله العرقية عربية أو غيرها، فهو أمازيغي بحكم الانتماء إلى الأرض الأمازيغية، بما فيها الدولة التي هي كذلك أمازيغية بحكم انتمائها إلى الأرض الأمازيغية.
 
فمتى سيفكر حكامنا كـ”كوبرنيك”، ويعلنون أن المغرب دولة أمازيغية تدور حول هويتها الأمازيغية وليس حول العروبة؟