الدستور والإنتقال الديموقراطي.

منعم أمشاوي*.
يعرف الدستور في الغالب من زاويتين الأولى شكلية والثانية موضوعية، هو وفق الزاوية الأولى مجموع القواعد القانونية المضمنة في وثيقة دستورية مكتوبة بغض النظر موضوعها والمتمتعة بالسمو قياسا بباقي القوانين العادية بحكم أن وضعها وتعديلها يخضع لمسطرة خاصة متميزة[1]، وهو كذلك مجموع القواعد القانونية الرامية إلى تنظيم وتحديد طريقة إشتغال السلطة السياسية بغض النظر شكلها[2]، وتتميز الدساتير عن بغضها البعض بإختلاف الأنظمة السياسية، ونميز بينها إنطلاقا من معايير مختلفة أهمها معيار الأصل والمصدر، كما أن طرق وضع الدستور تخلف من نظام سياسي إلى أخر، وعلى العموم فإننا نميز بين نمطين لوضع الدساتير، نمط ديموقراطي(جمعية تأسيسية، إستفتاء)  وأخر تسلطي ( وثيقة ممنوحة،دستور تعاقدي).
أما الإنتقال الديموقراطي فيعرف على أنه مسلسلا يروم توقيف القواعد الأتوقراطية وتعويضها بأخرى ديمقراطية، فالإنتقال مرحلة بين نظامين مختلفين يقومان على منطقين مختلفين، يتأسسان على تفكيك البنيات القائمة وإعادة تركيبها[3]، فهل الوثيقة الدستورية تحمل الشرط القانوني للإنتقال الديموقراطي؟ و هل الوثيقة الدستورية كافية لرسم ملامح التغيير[4]؟ وهل من الضروري إيجاد (إنتقال دستوري ) يوازي مرحاة الإنتقال الديموقراطي؟
تحيل الوثيقة الدستورية داخل مسلسل الإنتقال الديموقراطي على اهمية الإعتبارات القانونية في مسلسل الدمقرطة، فالدستور ألية للخروج من بنيات نظام ما قبل الإنتقال، ومدخل لهذا الإنتقال، إذ تعتبر الوثيقة الدستورية ضمانة للميثاق السياسي وإعلانا رسميا لمضامينه، فوضع دستور جديد ينظر إليه بإعتباره ممرا لحصول النخبة التي تقود مسلسل الإنتقال على منافع  الشرعية أمام انتظارات قاعدة محكومة لسقوط نظام شخصت في مؤسساته الأزمة ووضع مؤسسات بديلة على خلفية إعادة النظر في أساس السلطة نفسه[5].
فالدستور كمدخل للإنتقال الديموقراطي يتحقق بوضع أطراف الإنتقال غاية بناء دولة تحمل موت الماضي وتعلن ميلاد مستقبل تغيب عنه فكرة هيمنة المنتصر، ما يعني ان اعتبار الدستور كمدخل للإنتقال الديموقراطي يجعله بمثابة اتفاق بين الأطراف، والإنتقال من مستوى إعلان النوايا في التغيير إلى مستوى ترسيمها، ما يعني في النهاية وضع دستور يوصف بالتوافقي لمرحلة تسمى بالإنتقال  الديمقراطي.
لكن علاقة الدستور بالإنتقال الديموقراطي لا تقتصر فقط على إعتبار الأول مدخل للثاني، بل تتجاوزه إلى اعتبار الدستور دعامة للإنتقال الديموقراطي، بشكل يضمن إحداث قطيعة مع التنظيم السياسي السابق، وإحداث مؤسسات لدعم الإنتقال الديموقراطي، ما يعني أننا لسن بصدد (إنتقال دستوري) وإنما بصدد (التدعيم الدستوري)، بحيث ان الدستور لا يأسس لإنتقال ديموقراطي وإنما يمأسسه، وقد يكون البحث عن التوافق والمشاركة،السبب الذي يجعل أطراف الإننتقال الديموقراطي تعبر الدستور ليس مدخل للإنتقال بل مدعم له.
إن دينامية الإنتقال الديموقراطي تربط بثقة الأطراف واحترامها لميثاق الإنتقال، في حين ينظر إلى الدستور كتتويج لتوافق الأطراف، وكدعامة مؤسساتية للإنتقال من زمن اللايقين إلى زمن الإحتكام إلى الشرعية الدستورية [6].
مهما كانت علاقة الدستور بالإنتقال االديموقراطي (أي سواء بإعتباره مدخل ، أو كمدعم) فإن هذه الثنائية تحيل في غالب الأحوال على أن الدستور داخل مسلسل افنتقال اليمقراطي يجب ان يحمل فكرة تغير نظام بأخر، كما ان تدبير عملية (مرحل) الإنتقال الديموقراطي تستند على وضع مؤسسات جديدة وتغيير جذري للمبادئ المؤسسة للنظام السياسي [7].
في المغرب الذي شهد حراك سياسي، في التسعينيات القرن الماضي، ويشهد حراك اخر في الأونة الأخيرة، يعتبر النقاش الدستوري دائم الحضور، فمنذ 1908 الذي يعتبره البعض أو محاولة دستورية من خلال البيعة الحافظية أو ( البيعة المشروطة) التي كانت أقرب إلى دستور تعاقدي، توالت المحاولات الدستورية وعم النقاش الدستوري في صفوف نخبة (الحركة الوطنية)، إلى ان اول دستور كان سنة 1962، وهو دستور أفضل ما يقال عنه أنه دستور ممنوح رغم مروره عبر ألية الإستفتاء، ثم شهد مجموعة من المراجعات 1970 و1972 و 1992 و 1996، فحسب الدكتور المهدي المنجرة “عندما يكون الدستور ممنوحا، تكون كل الأشياء الأخرى ممنوحة، وليس لك حق الإعتراض، تستعملها وفق مزاج الذي منحك إياها…”[8].
البعض يعتبر ان المغرب يعيش الإنتقال الديموقراطي، إنطلقت مع تجربة التناوب وتكرست مع العهد الجديد  وتجربة المصالحة، ويعتبر أن دستور 1996 كان مدخل لهذا الإنتقال، وأن الدستور القادم سيكون مدعم للإنتقال الديموقراطي، لكن المغرب لم يعرف إنتقالا ديموقراطي بالمعنى الحقيقي (الأكاديمي) بل عرف مجموعة من الإصلاحات والمبادرات التي كرست هيمنة مؤسسة القصر وتفشي ثقافة رعوية تبعية وانتظارية لمبادرات الملك، ما يعني أن دستور 1996 لم يكن مدخلاً ولا داعما للإنتقال الديموقراطي، بل لم يكون دستور جديد بالمعنى الذي يأهله ليكون كذلك،فلم يعدو كونه تجديد لدستور 1962.
 فالمغرب كما قال عبد الرحمان اليوسفي ” لا يمكن أن يتقدم او يحقق أي برنامج شعبي إلا في اليوم الذي يصبح فيه على رأسه حكومة شعبية منبثقة من برلمان شعبي منتخب انتخابا ديموقراطيا بمقتضى دستور ديموقراطي وضعه الشعب بواسطة مجلس تأسيسي منتخب[9]”، وربما ذلك اليوم لم يأتي بعد واليوسفي لم يطق صبرا للإنتظاره.
فالأجواء التي يمر بها المغرب حاليا وتصاعد موجة الإحتجاجات، جعل النظام السياسي يفكر في القيام “بإصلاحات جديدة” لدستور قديم وحدد خطاب محمد االسادس ل 9 مارس 2011 الإطار العام لما ستكون عليه هذه المراجعة الدستورية، عبر لجنة عينت من قبل الملك، مايعني اننا لسنا امام دستور جديد ولا امام مجلس تاسيسي، وبالتالي لسنا امام دستور بمثابة مدخل للإنتقال الديموقراطي، ولا أمام دستور يدعم  هذا الإنتقال، بل أمام مراجعة يقوم بها النظام لدستوره وفق لرؤيته، وتضمن إستمراريته.
* طالب باحث، الكلية المتعددة التخصصات بالناظور.

[1]  Burdeau George, « manuel droit constitutionnel »p 57

[2]  Burdeau George    م س  ص 57

[3]  Bilodeau Vérie .www.mapgewed.umontreal.ca

[4]  محمد اتركين، الدستور والدستورانية، ص 157.

[5]  محمد اتركين ، م س ص 160.

 [6]  محمد أتركين ، م، س، ص 162.

[7]   محمد أتركين ، م، س، ص 159.

[8]  الدكتور المهدي المنجرة في حوار مع أسبوعية المشعل بتاريخ: 18/10/2007.

[9]  عن جريدة التحرير ، العدد 1028، 16/05/1963.