الرضواني: المغرب اليوم في حاجة إلى حركة 20 فبراير أكثر من أي وقت

نـاظورتوداي : 

قال إن أسباب خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع لا تزال قائمة
في هذا الحوار، يشرح محمد الرضواني، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، الوضع الذي أصبحت عليه الساحة السياسية المغربية بعد ثلاث سنوات من خروج شباب حركة 20 فبراير إلى الشوارع طلبا للإصلاح، والصراع القائم بين تصورين من طرف الطبقة السياسية، والفاعلين السياسيين على وجه العموم. 
 
الرضواني أكد في حوار أجرته معه يومية «المساء»، أن التحدي تحول بعد سنوات من انطلاق حركة 20 فبراير الاحتجاجية، من الصراع على مبادئ تهم الأسس الجوهرية للنظام السياسي المغربي في سنة 2011، إلى نقاش وتنافس حول التدبير الحكومي الذي يبقى تدبيرا ضعيفا، سواء على مستوى الخطاب الحكومي الذي يرتكن إلى تبرير الفشل، وإلى تقديم فرجة شعبوية، أو على مستوى تأسيس آليات جديدة تقطع مع الممارسات السابقة.
 
– ماهي نظرتك للواقع السياسي المغربي بعد مرور ثلاث سنوات من ظهور حركة 20 فبراير الشبابية؟
< يمكن القول بأن الواقع السياسي المغربي، بعد مرور ثلاث سنوات من ظهور حركة 20 فبراير، يعرف في العمق صراعا بين تصورين للعمل السياسي. تصور أول يعمل جاهدا من أجل استمرار الآليات التي حكمت الوضع السياسي قبل دستور 2011، آليات تستحضر التوافق، وتوزيع المنافع السياسية والاقتصادية بين النخب الرسمية وشبه الرسمية بشكل مغلق، ويدافع عنه أهم المستفيدين من الأوضاع السابقة، والذين يسخرون في هذا الإطار مختلف الوسائل العلنية والخفية، بما فيها تثبيت الأطر البشرية في مواقع مفصلية، لتنفيذ السياسات العامة والقرارات.
 
التصور الثاني يدافع عن الآليات السياسية الضرورية، التي يمكن من خلالها تحقيق وترجمة بعض شعارات الحراك المغربي في 2011، كالملكية البرلمانية، والدستور الديمقراطي شكلا ومضمونا، ومحاربة الفساد والتسلط، وغيرها من الشعارات التي رفعتها حركة 20 فبراير، أو على الأقل الدفاع عن عمل سياسي يدفع بالدستور الحالي إلى أفق ديمقراطي.
 
ومادامت هوامش التغيير التي يتيحها النظام السياسي تبقى محددة، فإن الصراع يكون أشد بين الفاعلين السياسيين حول مجالات ضيقة لا تمس في العمق جوهر النظام، فعلى سبيل المثال الصراع بين أحزاب الأغلبية والمعارضة ومختلف تمظهراته، يمكن اعتباره مؤشرا على ذلك، فالصراع لا يتعلق بالفاعل الرسمي الرئيسي، وفاعلين آخرين معارضين له، ولا يهم عمق النظام السياسي المغربي، بل يتعلق الأمر بصراع بين فاعلين حول قضايا التدبير الحكومي الآني، حول الأسعار وإصلاح المؤسسات العمومية، ولوائح المأذونيات، وتنظيم الانتخابات. ويمكن أن نسجل في هذا الإطار كيف تحول النقاش والصراع من مبادئ تهم الأسس الجوهرية للنظام السياسي المغربي في سنة 2011، إلى نقاش وتنافس حول التدبير الحكومي الذي يبقى تدبيرا ضعيفا، سواء على مستوى الخطاب الحكومي الذي يرتكن إلى تبرير الفشل، وإلى تقديم فرجة شعبوية، أو على مستوى تأسيس آليات جديدة تقطع مع الممارسات السابقة.
 
– كيف ساهمت التحولات الإقليمية في تراجع إشعاع وقوة الحركة على المستوى الداخلي؟
< لا يمكن تفسير تراجع إشعاع حركة 20 فبراير بالأسباب الإقليمية فقط، بل لابد من التركيز على أهمية العوامل الداخلية في هذا الإطار. فإذا كان الربيع العربي شكل عنصرا إضافيا على المستوى الداخلي، حيث انتقلت أهم وسيلة للمطالبة بالتغيير المتمثلة في الاحتجاجات بشكل يشبه انتقال «العدوى»، فإن تراجع الحركة يعود بالدرجة الأولى إلى العوامل الداخلية، لأن الثورة في مصر استمرت بشكل فعال، وتوجت بوضع دستور جديد في يناير 2014، وساهمت في إسقاط رئيسين منتخبين، وفي تونس استمرت المطالب الثورية ومثل دستور فبراير 2014 أهم منجزاتها، كما أنه لوحظ منذ بداية ظهور حركة 20 فبراير اختلاف احتجاجاتها وتميزها عن نظيرتها في الدول العربية، إذ كانت في الغالب أسبوعية وأقل حدة، فمنذ البداية كانت «قصيرة النفس» إن صح التعبير.
 
إن تراجع الحركة يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع شعبية بعض رموزها وخفوت صورتهم الإعلامية، إما بسبب حصار السلطة، أو بسبب تقهقرهم الذاتي، وتراجع حمولة بعض شعاراتها كالملكية البرلمانية، وإسقاط الفساد بسبب تبني الفاعلين الرسميين لنفس الشعارات في الدستور وفي الخطاب الحكومي، ونجاح النظام السياسي في تجاوز مرحلة الحراك المغربي بفضل مبادرات مهمة، ساهمت في احتواء جزء من مطالب الحركة ونسبة من فاعليها، فمبادرات تعديل الدستور، ومنهجية الانفتاح في وضع مشروعه الأولي، والانفتاح على الشباب وإشراكهم في المؤسسات، والتوظيف الإعلامي لبعض المبادرات الأولية لمحاربة الفساد، شكلت إضافات مهمة للمشروعية السياسية للملك، كمبادر وقائد للإصلاحات السياسية.
 
إن هذا التراجع صاحبته بالمقابل عودة تدريجية لدور الفاعلين التقليديين في الفضاء العمومي، كما هو الشأن بالنسبة لبعض القوى المعارضة، كالاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال والنقابات.
 
– هل الأسباب التي أدت إلى خروج الحركة إلى الشارع انتفت اليوم، أم أنها لا تزال قائمة؟
< – لا بد أن نشير إلى أن ظهور حركة احتجاجية بالشكل الذي ظهرت به حركة 20 فبراير، لا يرتبط بأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية فقط، بل تتحكم فيه جملة من العوامل والظروف المتداخلة، متعلقة بالقطاع العمومي، وبطبيعة الفاعلين السياسيين ومشاريعهم ومبادراتهم السياسية، وبطبيعة النسق السياسي، وقيم الثقافة السياسية المنتشرة. فتفاعل هذه العوامل هو الذي يؤدي في لحظة معينة إلى ظهور عمل سياسي ثوري، وهذا ما ينطبق على جميع الثورات أو ما يشبهها من لحظات كبرى للانتقال الديمقراطي.
 
لذلك يمكن القول بأن السياق السياسي الحالي يختلف عن سياق سنة 2011، لكن الأسباب التي شكلت أساس مطالب 20 فبراير لاتزال قائمة؛ إذ إن جوهر النظام السياسي لم يتغير وتعزز باكتساب مناصرين جدد؛ مناصرين مدافعين عن التقليدانية في النظام السياسي والاجتماعي، والوضع السياسي والاجتماعي للمواطن المغربي لم يعرف تحسنا، بل أكثر من ذلك يسجل تراجعا، وجميع التقارير غير الحكومية تسجل ذلك.
 
فبعض اللحظات التي يفترض أن تشكل فرصة مهمة لانبعاث حركة 20 فبراير وعودتها، كقرارات الزيادة في الأسعار، وتضريب بعض القطاعات الجديدة، وملفات الفساد التي تثار فيها أسماء بعض الوزراء، والأزمة الاجتماعية والاحتجاجات المحلية في بعض المناطق، ومتابعة لوائح  اقتصاد الريع… لم تسجل فيها الحركة حضورا قويا، فهذه القرارات إضافة إلى طبيعة الحكومة المشكلة وطريقة التدبير المتبعة، تستوجب عودة 20 فبراير إذا ركزنا على زاوية الأسباب.
 
– هل يمكن القول بأن الحركة قامت بواجبها وانتهت مدة صلاحياتها، أم أن الحاجة إليها لا تزال قائمة اليوم؟
< الحاجة إلى حركة 20 فبراير اليوم أكثر من السابق، فإذا كانت الحركة ساهمت بشكل كبير في تعزيز تراجع الخوف من السلطة الذي سيكون له تأثير مهم مستقبلا، وفي انتشار قيم الثقافة السياسية المشاركة، المهتمة بالشأن العام والمراقبة لسياسات وقرارات محترفي السياسة، وفي انتشار مبادئ المواطنة وبعث النقاش حول أسس النظام السياسي المغربي، وهي مساهمة مهمة، فإنها بالمقابل لم تستطع فرض أهم مطالبها وشعاراتها، التي ظلت رموزا على اللافتات دون أن تجد طريقها إلى الواقع، لأن شعاراتها المتمثلة في إسقاط الفساد ومحاكمة المتورطين وإبعادهم عن تحمل المسؤولية العمومية، ورفض «الدستور الممنوح»، والمطالبة بسيادة الشعب في وضع دستور ديمقراطي وبالملكية البرلمانية، ظلت بعيدة عن التبني من طرف السلطة السياسية. فالدستور المغربي لسنة 2011 تم إعداده ووضعه بطريقة بعيدة عما كانت تطالب به الحركة، والحكومة المشكلة لا صلة لها بالحكومة في نظام الملكية البرلمانية: حكومة حزبية منبثقة عن الأغلبية البرلمانية ببرنامج واضح، واقعي وقابل للتطبيق، المستعدة للاستقالة في حالة الفشل، فحكومة بنكيران هي حكومة شبه حزبية على مستوى مشروعيتها، بحيث لا تستمد مشروعيتها من الانتخابات فقط، بل تستمد مشروعيتها كذلك من الملك؛ مشروعية ملكية وانتخابية، وهي «حكومة تلتقط كل شيء» على مستوى مكوناتها وبرنامجها.
 
– هل يمكن أن يشهد المغرب مستقبلا موجة احتجاجية مشابهة لحركة 20 فبراير، خاصة في ظل الغضب الذي أبداه البعض من أداء حكومة عبد الإله بنكيران؟
< لا تشكل حركة 20 فبراير قوة مهمة في إطار التغذية العكسية المتعلقة بالقرارات المتخذة بعد انتخابات 25 نونبر 2011، وتراجع دورها تدريجيا بشكل كبير، وهو ما يؤشر على موتها تنظيميا، ونهايتها بالشكل الذي ظهرت به، لكن روحها التغييرية ورمزيتها كنموذج إلى جانب نماذج أخرى في الماضي مازالت قائمة، ويمكن استثمارها في المستقبل القريب من طرف فاعلين جدد وبمطالب جديدة.
 
وتؤشر حصيلة الحكومة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، على أن الاحتجاجات ستكون اجتماعية بالدرجة الأولى، وأقل تساهلا مع الحكومة وقراراتها، وسيتمحور الصراع حول التدبير الحكومي أكثر من تركيزه على جوهر النظام السياسي، وعليه فظهور موجة احتجاجية شبيهة بـ20 فبراير أمر مستبعد، لأن ظهور مثل هذه الحركات كما سبقت الإشارة إلى ذلك، مرتبط بتفاعل عوامل عدة وسياق دولي ووطني.