المبادرات الفردية لا تكفي..ـ

بقلم – سناء العاجي 
 
يوم الأحد قبل الماضي، خرج الآلاف من المغاربة في مسيرة كبيرة للتنديد بالاعتداءات الجنسية ضد الأطفال. مناسبة المسيرة؟ قضية الطفلة وئام التي تعرضت للاغتصاب وللضرب العنيف بمنجل والتي تم إنقاذها بمعجزة. طفلة أخرى وأنثى أخرى، بعد أمينة الفيلالي، تعكس لنا صورة أمراضنا في مرآة الجهل والكبت.
 
أمينة الفيلالي صارت بطلة رغم أنفها بعد وفاتها، واليوم، تصير وئام بدورها بطلة. وئام أكثر حظا لأن مبادرات تضامنية لمجموعة صغيرة من المواطنين ولطبيب تكفل مجانا بتطبيبها، أنقذت حياتها. لكن، لنعترف بواقعنا: كم عدد الأطفال الذين عاشوا أو يعيشون واقعَ وئام؟ كم يكفينا من المحسنين اليوم ومن المبادرات الإنسانية لكي نُنقدهم جميعا؟
 
قضية وئام تم تفجيرها على الأنترنيت عبر شريط فيديو تحكي فيه معاناتها وتطلب المساعدة. وكل أولئك الذين ينزوون في الصمت أو الذين لا تصلهم كاميرات الهواتف الذكية والذين لا يعرفون طريقهم إلى مواقعنا الإخبارية وإلى صفحاتنا على الفايسبوك؟ كل هؤلاء، للأسف، يموتون كمدًا أو يعيشون بعاهات مستديمة، إن لم تكن جسدية فهي بالتأكيد نفسية.
 
سيأتي علينا من يخلط، في جهل خطير، بين الاعتداءات الجنسية على الأطفال وبين الحريات الفردية والجنسية. وهو خلط يُبيّن عن جهل خطير و/أو عن سوء نية مبيت. الاعتداءات الجنسية على الأطفال (وعلى الراشدين أيضا) سلوك إجرامي تجب معاقبته بشدة. الحرية الجنسية، بالمقابل، اختيار واعٍ لشخصين ناضجين.
 
القانون (وطريقة تطبيقه) يساهم اليوم في تطوير إحساس الحشومة لدى الأطفال المعتدى عليهم. كيف يمكننا أن ننشر الوعي بخطورة  الاعتداءات الجنسية على الأطفال حين يفلت المجرمون من العقاب أو يتم حبسهم بعقوبات بسيطة؟ ألا يساهم ذلك في تكريس النظرة السلبية التي يُكونها المجتمع حول الضحية وأسرتها؟
 
أتذكر باستمرار قصة طفلة تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة من طرف والدها. رفعت الأم قضية في المحكمة قبل أن تتنازل عنها لأن الطفلة كانت بكرا ولأن الأب كان يعتدي عليها جنسيا من الخلف… التصورات المجتمعية التقليدية تهتم أحيانا لغشاء البكارة أكثر مما قد تهتم للتأثير الجسدي والنفسي للاغتصاب وللاعتداء الجنسي. هذا للأسف واقعنا البشع…
 
في موضوع مشابه، تعرضت خادمة في إحدى البيوت (سنسميها لمياء) لحادثة وهي تمارس أشغالها. المشغلان حملاها إلى مصحة خاصة وعملا على معالجتها. فيما بعد، أخبرهما الطبيب أن تلك كانت المرة الأولى التي رأى فيها أسرةً مغربية تحمل أحد العاملين عندها لمعالجته في مصحة خاصة. لذلك منح الطبيب تخفيضا مهما وصل إلى حوالي 60 في المائة من مصاريف العملية، واقترح متابعة المريضةِ مجانا. قد نعثُر على حالات مشابهة هنا وهناك، لأسر تُعامل عمال بيوتها معاملة حسنة وتقوم بتطبيبها وبتعليمها في ظروف جيدة؛ لكن هذا في النهاية ليس أمرا مُطمئنا. نحن من ناحية نفرح لوجود هذه الحالات الإنسانية التي ساعدت وئام ولمياء وغيرها. لكن، من ناحية أخرى، فهذا يجعلنا رهيني جودِ وكرمِ بعض المتعاطفين والمواطنين الذين يحملون قيما إنسانية. لكن، ما شأن كل أولئك الذين لا يسعفهم الحظ ليقابلوا أشخاصا حاملين لمثل هذه القيم الإنسانية؟ هل يمكن لدولة تحترم مواطنيها أن تعتمد على أريحية هؤلاء لحفظ كرامة غيرهم من المواطنين؟ بالطبع لا…
 
اليوم، ليس هناك قانون مغربي يحمي حقوق عمال البيوت ويوفر لهم الضمانات الكافية لاحترام حقوقهم كاملة (منع تشغيل القاصرين، معاقبة المشغلين والمتدخلين الذين لا يحترمون القانون، إجبارية احترام ساعات العمل والعطل السنوية، توفير تأمين صحي إجباري وتقاعد…). بل أخطر من هذا: حتى المواطنون ذووا الأريحية لا يستطيعون اليوم بلورة عقد قانوني يربطهم بعمال بيوتهم. وحدها الشركات تستطيع إبرام عقد مع عاملة نظافة أو بستاني أو حارس، بينما لا يستطيع رب(ة) بيت ذلك.
 
إنها قضايا مجتمعية وحقوقية قاسمها المشترك أنها تتعلق بأشخاص يعيشون وضعيات هشاشة اجتماعية ونفسية. لا يمكن أن نتجاوزها براحة ضمير من خرج في مسيرة يوم الأحد… المبادرات الفردية تعبير جيد عن روح التضامن وعن انتشار الوعي بخطورة بعض الظواهر، لكنها ليست كافية. الخوف اليوم هو أن نعتبر بأن حملة التضامن أتت أُكلها لأن وئام استفادت من العلاج؛ وأن نمر لمواضيع وقضايا أخرى.
 
على الدولة اليوم (بمؤسساتها المختلفة، تشريعية وتنفيذية وقضائية) أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، لأننا لا نستطيع الاستمرار في الاعتماد على جود بعض المواطنين بين هذه القضية وتلك.