الناظور الذي نحب..

بقلم : عز الدين شملال

قدر مدينة الناظور أن تكون جنة للكثيرين ممن اغتنوا من خيرها واستغلوها أبشع استغلال، دون أن يكون لها نصيب يستثمر لتأهيلها و تنميتها على خلاف مدن كثيرة دونها في وفرة الخير و المداخيل استطاعت بفضل حسن تسيير وتدبير أبنائها أن تتسلق سلم التنمية وتصطف ضمن المدن الكبار .

مدينة الناظور ومنذ الاستقلال عانت من الإقصاء والتهميش ودخلت دائرة المغرب الغير النافع رغم موقعها الاستراتيجي الذي يأهل أي مدينة في موقعها بأن تكون ضمن المدن المهمة في المغرب.

هذه المدينة ــ المطلة على بحيرة مارتشيكا، والضاربة جذورها في أعماق التاريخ، حيث تم اكتشاف تسلسل طبقاتي يمتد على عمق 6 أمتار، يعكس تعاقب حضارتين أساسيتين متمثلة في الحضارة العطيرية والحضارة الايبيروموريزية ــ حوالي 80000 سنة ــ وذلك “بمغارة افري نعمار بنواحي افسو”، كما تم اكتشاف هياكل عظمية يرجع تاريخها إلى أكثر من 18000 سنة بنفس المغارة ــ تعاقب على تسييرها و تدبير أمورها منذ الاستقلال و إلى اليوم رجال ــ للأسف ــ ينتمون إلى رقعتها ويحسبون من أبنائها، غير أن حرصهم على مصالحهم وسعيهم لتحقيق أكبر رقم ممكن في رصيدهم البنكي خلال مدة ولايتهم قتل فيهم أي إحساس بالغيرة على مدينتهم وعلى ساكنتها التي مورس عليها شتى أنواع التفقير والتجهيل حتى أصبح أهلها يعيشون ــ منذ الاستقلال ــ على أمل الهجرة إلى الديار الاروبية والفرار من جحيم الفقر والإحساس بالنقص .

وحتى بعد تغيير الأوضاع السياسية بالمغرب والانتقال إلى العهد الجديد و ما صاحبه من محاولة المصالحة مع الريف الجريح من خلال استفادة المنطقة من بعض مشاريع التنمية البشرية التي ــ ورغم أهميتها ــ لم تستطع أن تغير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي لهذه المدينة، ولم تفلح في انتشال أبنائها من البطالة والجهل والتفقير وذلك حتى بعد تصنيفها كثاني دخل في المغرب بعد مدينة الدار البيضاء .

إن المتأمل لأحوال مدينة الناظور يجزم بكل تلقائية أن هذه المدينة كانت وما تزال ضحية لثلاث جهات تشترك في تحمل المسؤولية فيما آلت إليه أحوالها من تدهور اقتصادي وعوز اجتماعي ونقص علمي وثقافي وفساد إداري وأخلاقي .

الجهة الأولى: الحكومة المغربية ومن يمثلها داخل المدينة حيث ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في تهميش المدينة والوقوف دون استفادتها من بعض عوامل التنمية التي قد تكون سببا في إقلاعها و إنقاذ أبنائها من الآفات الاجتماعية والاقتصادية التي غرقوا فيها طوال ثلاث عقود كاملة.

فإذا استثنينا العامل” طريشة ” الذي حاول في نطاق استطاعته تغيير ملامح مدينة الناظور فإن جميع العمال الذين تعاقبوا عليها فشلوا في تحريك عجلة التنمية الناظورية وجعلوا منها مرتعا خصبا للمفسدين وسماسرة المال العام لينهبوها ويغتنوا من خيرها .

الجهة الثانية: السلطة المنتخبة التي تعاقبت على مدينة الناظور منذ الاستقلال، فجميع المجالس البلدية التي انتخبت لتسيير المدينة لم تنجح إلا في تحسين المصالح الشخصية لأعضائها، ولم توفق إلا في نسج علاقات مع جهات نافذة ضمنت لها الحفاظ على مختلف الامتيازات الممكنة وغير الممكنة لأعضائها، بينما مصلحة المدينة بقيت مغيبة ومعلقة تنتظر من له أدنى إحساس بالغيرة على هذه المدينة المجاهدة، أما ساكنتها فإنهم يرددون مع الشاعر طرفة بن العبد بيته المشهور :

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة +++ على النفس من وقع الحسام المهند

الجهة الثالثة: أعيان المدينة ونخبتها الذين هاجروها إلى وجهات أخرى، إما إلى خارج المغرب أو إلى مدن أخرى داخل المغرب، تاركين مستقبل هذه المدينة في مهب الريح يعبث بها كل من أراد الاغتناء بطريقة شرعية أو غير شرعية مستغلين ضعف وقهر السواد الأعظم من أبنائها.

لم تستطع أغلب النخب الناظورية مواجهة الفساد الذي استشرى في الإقليم منذ الاستقلال في جميع الميادين فأعلنوا استسلامهم و رفعوا الراية البيضاء وغادر أغلبهم الناظور حالمين بمستقبل أفضل لهم و لأبنائهم، بينما البقية الباقية آثرت العمل بالمثل المغربي القائل” حيد على راسي وشقف”.

لقد آن الأوان لتصحيح الوضع، والعمل من أجل توحيد الرؤى وتكثيف الجهود لبناء ناظور جديد، ناظور تستوي فيه جميع فرص العمل والاستثمار لأبنائه، ناظور تسيره نخبة في المستوى المطلوب تدرك تمام الإدراك أنها انتخبت من أجل مصلحة الإقليم و من أجل الرقي به ضمن المدن التي استفادت من الميزانيات التي رصدت لها، واستعملت في تنميتها اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وثقافيا .

ومن أجل تحقيق ذلك لابد من مد جسور التواصل بيننا، ولابد من اختيار النخبة الصالحة التي تستطيع أن تخرج الناظور من هذه الوضعية المزرية، وتنقذ أبناءها من قبضة المفسدين والعابثين بها .

هذا هو الناظور الذي نحب …