الناظور تحيي المواطنة بالرقص في المقابر .

بقلم : علي كراجي .

لـنا أن نتصور كـيف ستصير علاقة المواطن الذي يغني ويرقص و يصرخ بصوت صاخب ، أمام جاره الذي فـقد عزيزا إثـر مصـاب جلل ، فبدون شك ستتدهور قيم الجوار بينهما، بسبب عدم إستحضار الواجب الديني، والوطني، الإنساني والأخلاقي ،الذي يفـرض إحترام المآسـي ، وتغييب إظهار الفرح أمام عين شخص حزين، لكن تدهور العلاقة بين فردين بسبب خطأ أحدهم قـابلة للترقيع إذا دخل حكيم بينهما بخط أبيض ، وفي المقابل سيكون إصلاح ذات البين صعبا، إذا صدرت الإساءة من جماعة ضد جماعة أخرى ، وهذا ما ستسقط فيه جمعية مغاربة العالم، بعد أن أعلنت عن تنظيم سـهرة غنائية بكورنيش مدينة الناظور ، إحتفاء بالمواطنة ، لكن دون أدنى مراعاة لمشاعر عائلات وأسـر الأطفـال الذين ذهبوا ضحية حـادث سير مؤلم الأسبوع الماضي بمدينة طانطان المغربية ، إثر تعرض جثثهم للإحتراق داخل حافلة كانت تقل تلاميذ صغار أثناء عودتهم من بطولة مدرسية .

جمعية مغاربة العالم، التي قـررت تنظيم سهرة غنائية بمدينة الناظور ، إختـارت شعار ” المواطنة ” ، لكنها تطأ بأقدامها من يُنَزلُ هذا المفهوم على أرض الواقع ، أي المواطن الذي لن يتحقق بدونه الوطن ، بـل تهين بهكذا سلوك الشعب الذي يشكل أحد أبرز مقومات نشوء الدولة ، إذن فكيف يمكن أن يحس المكلومة قلوبهم في مدينة طانطان بهذه المواطنة التي ستحتفي بها الناظور بواسطة الغنـاء والرقص ، بـل الموقف أبشع مما قد نتصوره ، إذا كشفنا عن مشاعر عائلات الضحايا تجاه هذا الإحتفـاء الغريب ، والأمر سيصعب تبريره إذا اسْتُغِلت ردود الفعل إزاء السهرة الغنائية المذكورة في أمور منافية و أشهر من يقتاتون على زرع الفتنة أسلحتهم المظللة للرأي العام ، خـاصة و أن الحديث هنا عن الريف الذي يستهدفه الكثـيرون من أجـل تلطيخ سمعته ، فأي مواطنة إذن يقصد الراقصون في المقابر ؟ .

إذا إفترضنا جدلا ، أن أهل الناظور في حـاجة إلى تحرك عاجل لتعزيز الإحساس بالمواطنة لديهم ، وهذا إفتراض يبقى غبيا نوعا ما ، فهناك عشـرات الطرق لإحياء مثل هذه المبادرات، ومن ضمنها الملتقيات و الندوات و اللقاءات المفتوحة و قوافل التوعية … وغيرها من الأنشطة الخلاقة و المُهَذبَة لكن سلك طـريق الصخب والضجيج الموسيقي ، في هذا الوقت بالضبط ، يطرح الكثـير من علامات الإستفهام ، والتخوف من تسبب السهرة الغنائية المذكورة في رسم صورة قاتمة عن مدينة المقاومة وجيش التحرير في أذهان إخواننا بالصحراء المغربية بإعتبار مدينة طانطان جزء لا يتجزء من هذه الجهة ، يبقى قويا لدى من يخشون حقا على هذا الوطن ، ويسعون إلى صيانة نعمة السلم الإجتماعي التي تنير جميع أجزاءه .

إن الناظور ، بأهله المبادرين دائما إلى إحيـاء المشترك بـين جميع مكونات الشعب المغربي ، لم يسبق لهم أن كانوا سببا في تعميق جراح من حكم عليهم القـدر بمعاشرة الأحزان ، بل إن سكان هذا الإقليم ، القلب النابض للريف ، أسـالوا الكثـير من الدموع كما الدماء أيضا ، ووضعوا لأكثر من مرة كل الغرائز المحببة للإستمرار في العيش جانبا من أجل الإنخراط في تأدية ضريبة الدفاع عن الإنتماء ، حيث قدموا تضحيات جسـام لطرد المستعمر من أرض الوطن ونزعوا عباءة الحياة لينعم المستقبل في السلم والديمقراطية والأمان ، فهذه هي المواطنة المقصودة، أما أن تطلب جهة ما هؤلاء المواطنين قبول دروس عرجاء في المواطنة ، فهو أمر مرفوض ومنافٍ للمشاعر الحقيقية، بل هو تحرك مليء بالمزايدات والخلفيات المسيئة لسمعة الإقليم ، خـاصة و أن الدعوة تروم التجييش للرقص دون أدنى إحترام لجثث أطفال إستشهدوا بعد عودتهم من سفر طويل تحملوا عناءه رغبة في التعبير عن حبهم للوطن .

وعودة إلى مفهوم المواطنة ، من أجل توسيع وعاء الفهم و الاستيعاب لدى من يعتقدون أن تقوية الإحساس بالإنتماء للوطن يتحقق بالعزف على البيانو و القيثارة و الرقص من فوق الخشبة في الفضاءات العامة ، لا بأس من تسليط الضوء على المجهودات التي قدمها منذ القدم رواد أبرز المدارس الفلسفية والمنظرون ، من أجل إعطاء تعريف صحيح للمواطنة ، حيث ربطوا بين تحقق هذا الشعور في الفرد وجملة من الشروط ، وإعتبروا المواطنة الحقيقية على انها تشكل عموما مجموعة من الحقوق والواجبات التي تلزم المواطن القيام بها اتجاه وطنه ، ويصف في هذا الإطار جون جاك روسو أحد رواد نظرية ” العقد الإجتماعي ” المواطنة بأنها ذلك الرابط الذي يجمع المواطن بوطنه وفق عقد إجتماعي يتنازل بموجبه كل فرد عن جزء من حرياته و خصوصياته من أجل تحقيق مفهوم الدولة المواطنة التي تحفظ الحقوق والواجبات رغم إختلاف الأعراق والديانات والإنتماءات القبلية والإثنية ، ومن هذا قد نستنتج بأن الدولة المواطنة تتحقق داخل المجتمعات التي يُغَلبُ أفرادها الحس الجماعي عن الغريزة الفردية ، وتختل ، أي المواطنة ، حين يسود منطق الأنـا بين المواطنين ، وتطفو بذلك علامات الكراهية و الحقد التي تصيب في الأخيـر الجسد المجتمعي بالشرخ .

وأخيـراً وليس آخراً ، إن بذلة المواطنة ألبست ظلما لهذه السهرة ، وسيظلم الريف مجددا مادامت الناظور إستثنيت من حداد أطلقته فعاليات المجتمع المدني بالمغرب بعد تنازلها على إقامة جميع الأنشطة الإحتفالية المنافية للمآتم في إطار تقديم التعازي والمواساة القلبية لأسر ضحايا طانطان ، و ستنهال على ساكنة هذا الجزء الغالي من البلاد تعـاليق الإسـاءة و التجريح ، وسنقول أنذاك أننا صغار في عيون المغاربة ، لـكن في هذا الزمان وفي كل تلك الأمكنة التي سنتعرض فيها للإساءة لن يقبل منا عذر أو مبرر ما دمنا إخترنا الضرب على الدفوف أمام مرآى ومسمع أمهات إحمرت عيونهن من شدة البكاء تأثرا بفقدان فلذات أكبادهن ، … أنا بـريء منكم .