انتفاضات الأمازيغ والمغرب المنشود

رشيد الحاحي

إذا توقفنا عند العديد من الأحداث التي طبعت تاريخ المغرب الحديث، سنجد أن جلها يرتبط بتمردات وانتفاضات الأمازيغ ضد الحكم المركزي، حيث أن أصول هذا الصراع  تتغذى من اختلال أشكال التعاقد والمشروعية السياسية والتمثيلية التي تربط القبائل الأمازيغية بالسلطة والدول الحاكمة. فالأمازيغ هم السكان الأصليون المنتظمون في بنيات قبلية وتجمعات ذات امتدادات اجتماعية وثقافية عميقة وتاريخ عريق، فيما أن المخزن يشكل في أغلبيته من المجموعات المستفيدة من الأوضاع القائمة، حيث أن علاقة الأمازيغ بالسلطان وبالسلطة الإدارية الممثلة لجهاز المخزن كانت دائما في حالة مد وجدب، بقدر ما يعتريها من اهتزازات نتيجة  اختلالات التعاقدات السياسية وازدياد مطامع الفئات الحاكمة في الهيمنة المطلقة.   

وفي هذا السياق نشأ مفهوم “بلاد السيبة”  الذي يحيل في الأدبيات السياسية والسوسيولوجية الرائجة في المغرب منذ أوائل القرن العشرين، على علاقة جهات ومناطق البلاد بالسلطة المركزية، حيث أنه مقابل “بلاد المخزن” التي تقدم الولاء للسلطان وبالموازاة مع ذلك تعترف بسلطة القواد الذين تؤدي لهم الضرائب، نجد أنه في بلاد “السيبة”  يمكن أن تقبل القبائل برمزية السلطان، لكن دون القبول بالسلطة المركزية حيث تتمرد عن العمال والقواد الذين يمثلونها وترفض دفع الجبايات والضرائب للمخزن.

وقد عرف مغرب القرن العشرين عدة أحداث كبرى تحظى بأهمية بالغة على مستوى تاريخ الدولة المعاصرة، وبناء النظام السياسي وتحولاته. فمنها ما يهم ملابسات الأجواء والوقائع التي عقبت اتفاقية ايكس ليبان وخروج الحماية الفرنسية والاسبانية، ومنها ما يخص التاريخ المحلي الذي كانت وقائعه تدور خارج مجال نفوذ الدولة المركزية، والتجليات الأخرى لأعمال المقاومة وجيش التحرير وتطوراتها السياسية، خاصة في الريف والأطلس المتوسط وسوس والجنوب الشرقي، ومنها بعض الوقائع التي ارتبطت بالسلطة وبعض النخب المدينية والمجموعات الحزبية والفئوية التي استفادت من فضاء وخيرات ومؤسسات المغرب المعاصر.

في هذا السياق وقعت أحداث الريف سنة 1921، والمقاومة المحلية للاستعمار الاسباني وعنف المواجهات التي انتهت بحرب الغازات الإبادية، مرورا بالسنوات الموالية لاتفاقية ايكس ليبان وما عرفته سنتي 1957و1958من أحداث وهجوم على المنطقة قصد إخضاعها، وكذا حدث اغتيال عباس مساعدي بعد محاولة عزله من مسؤولية قيادة جيش التحرير ووقف المقاومة المستمرة، وملابسات هذا الاغتيال.

تنضاف إلى هذه السيرورة، أحداث فبراير 1957 التي تعرضت خلالها القرى والجبال الريفية لقصف جوي مكثف لسحق انتفاضتها، وواقع التهميش والعقاب الجماعي الذي تعرضت له المنطقة على امتداد عشرات السنوات، مما كرس لجو التوتر والصراع الذي تخللته أحداث أخرى كما وقع سنة 1984.

وخلال نفس المرحلة، حصلت انتفاضة عدي وبيهي الذي ارتبط اسمه بالأحداث التي عرفها الأطلس المتوسط والجنوب الشرقي خلال السنوات الموالية لاتفاقية ايكس ليبان، حيث كان يشغل منصب عامل إقليم تافيلالت، وتزعم ثورة ضد الحكم وزعماء الحركة الوطنية الذين عملوا على عزله من منصبه والحكم عليه بالسجن ثم الإعدام، هو الذي كانت تربطه علاقة ولاء مع  الملك محمد الخامس كما أكدت ذلك عدة مصادر وشهادات، ورغم مساندته من طرف لحسن اليوسي الذي كان حينها يشغل منصب وزير التاج!

فقد أكد عبد الهادي بوطالب في شهادته(حوار مع الشرق الأوسط، عدد 15 سبتمبر 2000) أن السبب الرئيسي في قمع عدي وبيهي سنة 1957 هو غضب حزب الاستقلال عليه لأنه لم يكن يسمح لأعضائه بالقيام بأنشطة حزبية في إقليمه. وفي جوابه حول سؤال رغبة عدي وبيهي في إقامة جمهورية أمازيغية بالأطلس المتوسط، أجاب بوطالب بأن هذا غير صحيح (…) و أكد أن سعي حزب الاستقلال إلى الاستئثار بالحكم والسلطة والولاة والوزراء، هو ما أثار لدى رجال القبائل حزازات ومخاوف، مما كان يدفعهم  إلى مناهضة الحكومة. وقد امتدت هذه الرغبة في الهيمنة والاستفراد بالسلطة والحكم إلى مواجهة خيار التعددية السياسية واعتقال بعض ممثلي القبائل والمناطق القروية الأمازيغية سنة 1958.

وفي نهاية الستينيات من القرن الماضي، شهد المغرب ظهور أولى الجمعيات الأمازيغية التي سجلت حضورها في فضاء الحريات العامة عبر المدخل اللغوي والثقافي، كلامريك وتمينوت والجامعة الصيفية والجمعية الأمازيغية ، وحاولت خلخلت المقاربة الوحدوية والتأحيدية التي اعتمدتها الدولة والحركة الوطنية في تناولها للمسألة اللغوية والثقافية في المغرب منذ الاستقلال، وذلك كامتداد  لخيارات الدولة الوطنية والسياسة اليعقوبية. وفي هذا السياق حدثت  أشهر محاكمة رأي أمازيغي عند اعتقال المناضل والمؤرخ والشاعر المغربي علي صدقي أزايكو سنة 1980، والحكم عليه سنة سجن نافذة قضاها كاملة، على إثر نشره لمقال ثقافي بعنوان ” من أجل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية” بمجلة أمازيغ.  هذا السياق الذي توج أيضا بصدور ميثاق أكادير سنة 1991 باعتباره من أولى الوثائق التي أفصحت عن حراك حركي أمازيغي معزز بمطالب محددة حول وضعية الثقافة الأمازيغية في المغرب.

وخلال عام 1994 تشكل أول إطار تنظيمي يجمع إيمازيغن  وهو المجلس الوطني للتنسيق  بلغ عدد الجمعيات المنتمية إليه في نهاية 1996 حوالي 32 جمعية. وقد بدأ تفعيل الإطار خلال حملة  التضامن مع معتقلي جمعية تيليلي الذين اعتقلوا في ماي 1994 بسبب مشاركتهم في تظاهرة فاتح ماي ورفعهم للافتات مكتوبة بتيفيناغ وأخرى تطالب بإعادة الاعتبار للهوية والثقافة الأمازيغية. هذه المرحلة التي عرفت انتكاسة الأمازيغ اثر الإصلاح الدستوري سنة1996 الذي لم يستجيب لأي من مطالبهم، مما أدخل الجمعيات في مرحلة جديدة من الانتظار والتفكير في آليات جديدة للعمل الأمازيغي.

بعد ذلك، تعزز النسيج الجمعوي الأمازيغي بظهور عدة جمعيات عاملة في المجال الثقافي والحقوقي بالخصوص، وتناما النقاش الحقوقي والإنتاج الأدبي والإبداعي باللغة الأمازيغية، مما جعل الأمازيغية تنتزع حضورا هاما في فضاء النقاش العمومي والتوجسات السياسية في بلادنا. هذا السياق الذي تميز بدوره بهاجس انتقال الملك وتجديد شرعية ومشروعية الملكية في المغرب قبيل وبعد رحيل الملك الحسن الثاني، والذي عرف صدور البيان الأمازيغي باعتباره وثيقة جديدة اجتمعت حولها مكونات الحركة الأمازيغية، وطورت مستوى الرؤيا والمطالب التي يتطلع الأمازيغ إلى تحقيقها في المرحلة الجديدة.

خصوصيات السياق المذكورة أفضت إلى الإقرار الخطابي لأول مرة بشكل رسمي بالصفة الثقافية والحضارية للأمازيغية، وبضرورة النهوض بها، وحملت مشروع إدماجها في منظومة التربية والتكوين والإعلام ، كما جاء ذلك في خطاب العرش لسنة2000 وخطاب أجدير وظهير إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001.

السياق الجديد  أفضى إلى ظهور عدة إطارات جمعوية  وتنسيقيات أمازيغية عاملة بالخصوص في المجال الحقوقي والتنموي، كالشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة وأميافا  وإمال وأزمزا وتاويزا والمرصد الأمازيغي للحقوق والحريات وإزرفان  …كما عرف أيضا تأسيس الحزب الأمازيغي الديموقرطي المغربي الذي أقدمت الدولة  تعسفا على حله، هذا الحضور جعل الخطاب الأمازيغي يلامس أبعاد جديدة من اهتمامات وانتظارات الشعب الأمازيغي، ويحقق تميزه الاحتجاجي والسياسي والحقوقي في فضاء النقاش العمومي في المغرب.      

وخلال السنوات الأخيرة، تتبعنا كيف أن مطالب الأمازيغ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية قوبلت بالعنف، وبدل استحضار  تاريخ توثر علاقات الأمازيغ بالسلطة والفئات المهيمنة والحاكمة، والإنصات إلى نبض المجتمع وانتظارات المناطق المهمشة، التجأت الدولة إلى خيار قمع الانتفاضات الاحتجاجية، كما اتضح ذلك خلال  الأحداث التي عرفتها بعض المواقع الجامعية التي تنشط بها الحركة الثقافية الأمازيغية سنتي 2007 و2008، خاصة مكناس والراشيدية وأكادير وتطوان، والحكم بالسجن النافد على الطلبة الأمازيغ عبر محاكمة تفتقر لشروط المحاكمة العادلة، وتعريضهم للتعذيب واللإهانة.  وانتفاضات السكان بأقاليم ومناطق بومالن ندادس وتنغير والحسيمة وسيدي افني وصفرو وتغجيجت…، وغيرها من الحركات الاحتجاجية ذات الطابع السلمي والديموقراطي على مستوى تنظيماتها ومطالبها وانتظاراتها السياسية والاجتماعية.

فخلال سنة 2008 شهد المغرب إحدى أبشع عمليات قمع الاحتجاجات بسيدي افني، حيث ووجهت الحركة الاجتماعية لساكنة أيت بعمران التي طال أمد مطالبها بالعنف والإهانة والأحكام القاسية. كما تعاملت الدولة مع مطالب الطلبة الأمازيغ الذين نظموا اعتصاما سلميا أمام قيادة تغجيجت  يوم 1 دجنبر2009، بالعنف واقتحام بيوت الشباب المحتجين واعتقالهم  وإصدار أحكام جائرة في حقهم. كما تم التضييق على الحركات الاحتجاجية السلمية التي نظمها سكان البوادي الأمازيغية ضد واقع التهميش والإقصاء الاقتصادي والاجتماعي الذي يعانون منه منذ عشرات السنوات، كانتفاضات أيت غيغوش بامسمرير وأيت عبدي وانفكو والنقوب، وعدة دواوير كأسامر وبوصالح وأخداش وتيمقيت… بأزيلال وبني ملال وطاطا. كما أقدمت الدولة في شخص سلطتها السياسية والتربوية على قمع أنشطة الحركة التلاميدية الأمازيغية بعدة مناطق كما حصل بزاكورة سنة 2009.

أما انتفاضة الجنوب الشرقي الأخيرة، فهي بدورها تندرج في إطار حركة احتجاجية اجتماعية، ذات إطار تنظيمي واضح ومطالب مشروعة، تتطلب تدابير ديموقراطية  وحكامية تستجيب لانتظارات المواطنين واختياراتهم في تدبير شؤونهم المحلية والوطنية. ومما جاء في إحدى البيانات الصادرة اثر التطورات التي عرفتها الحركة الاحتجاجية بالإقليم، “فانتفاضة أمازيغ تنغير، هي انتفاضة ضد التهميش والإقصاء، ضد الفساد والرشوة  والتنكيل بالمواطنين، ضد نهب المال العام والتلاعب بمصير السكان ومصالحهم. إن انتفاضة تنغير هي للمطالبة بحق المواطنات والمواطنين في العيش الكريم وفي التمتع بكافة حقوقهم  السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية، إلا أن هذه المطالبة قوبلت من طرف السلطات وقوى الأمن القمعية بأسلوب العنف والقمع والمطاردة والاعتقال لتفريق المسيرة الاحتجاجية السلمية”.

وما يؤكد سوء تدبير الدولة والقطاعات الحكومية المعنية لمطالب الساكنة ، هو كون هذه المطالب تعود إلى سنوات خلت حيث أن حوالي 57 جمعية بتنغير انضوت في إطار فيدرالية، وطالبت الجهات المسؤولة  منذ سنة 2008 بالتدخل العاجل لوضع حد لما أسمته “بالاحتقان الذي تعرفه المنطقة درءا لأي تطور غير مرغوب فيه”. وأعلنت هذه الجمعيات، في بلاغ لها، عن تضامنها مع المجتمع المدني بسيدي إفني  ومع كافة أهالي المنطقة “الذين تعرضوا لأبشع صور القمع والتنكيل يوم السبت الأسود، لا لشيء إلا لكونهم رفعوا مطالب اجتماعية بسيطة ومشروعة”.  وتطرقت هذه الجمعيات إلى الوضع الاجتماعي بهذه البلدة مسجلة ما سمته ب”طغيان وتجبر المفسدين وناهبي المال العام من مسؤولي الشأن المحلي الذي بلغ حدا لا يطاق”. وقالت إن المسؤولين في سلطة الوصاية “لم يتصدوا بالحزم المطلوب للاختلالات والتجاوزات التي يعرفها التسيير المحلي رغم توصلهم بملفات فساد خطيرة بهذا الخصوص”.  ورغم استجابة الدولة لمطلب إحداث عمالة تنغير خلال سنة  2010، فإنها تتحمل مسؤولية التطورات التي عرفتها الحركة الاحتجاجية بالمنطقة، خاصة بقاء العديد من المطالب المرتبطة بالحكامة والمسؤولية الإدارية  معلقة، واستمرار اقصاء اللغة والثقافة الأمازيغية من الحياة العامة، وعدم التقدم في ورش المصالحة السياسية والثقافية مع الساكنة الأمازيغية بالمنطقة.

 إن تحليل مختلف العوامل التي أفضت إلى وضعية الإقصاء الاجتماعي والسياسي، والدونية اللغوية والثقافية التي تعيشها الأمازيغية والأمازيغ في بلادهم مند أمد طويل، يفضي بنا إلى تقديم خلاصات حول أسباب وأشكال هذا الوضع، وحول أفق المخرج الممكن انطلاقا من مسوغات للتغيير السياسي والإقتصادي والثقافي الذي تنشده مختلف المكونات الجمعوية والفدراليات والتنسيقيات الأمازيغية، كما يمكن استخلاص ذلك من خطابها وبياناتها ومطالب حركتها التصحيحية والاحتجاجية. كما يمكن ادراج هذا التصور في سياق أفق التغيير الذي تنادي به حركة 20 فبراير والقوى الديمقراطية من أجل مغرب المستقبل الذي نريده جميعا.

-قضية الأمازيغ والأمازيغية هي جزء من المعضلة الديموقراطية في البلاد، وتدخل في صلب مطلب التغيير السياسي  الكفيل بتحقيق طموح كافة الشعب المغربي في المشاركة الفعلية في النظام السياسي، وفي حياة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

-تقتضي المرحلة الراهنة، وباستحضار مختلف أشكال الهيمنة التي تتعرض لها الأمازيغية والأمازيغ في بلادنا، وأشكال الصراع التي طبعت علاقتهم بالسلطة المركزية وبالفئات الحاكمة والمستحوذة على الثروة والسلطة في البلاد، إعادة التأسيس لشروط  الحياة  السياسية العادلة عبر إعادة التعاقد مع النظام السياسي على أساس المشروعية السياسية، وذلك بما يضمن حقوقهم ومصالحهم   وحضورهم الفعلي في صياغة وإقرار مستقبل بلادهم. وهذا يتطلب تعاقدا في اطار دولة ديمقراطية، دون وساطات تنظيمية   أوبروتوكولات ومسوغات مخزنية، ذلك أنه تعاقد حول الشرعية والمشروعية والالتزام بالتغيير الشامل من أجل مجتمع الديموقراطية والحرية والعدالة، والتقاسم العادل للثروة والسلطة.

-من أغرب أشكال الإقصاء والهيمنة أن يعيش الأمازيغ في وطنهم في ظل دستور وتشاريع تتجاهلهم ولا تعترف بوجودهم، ليبقوا باستمرار غرباء يستعطفون حق وجودهم في بلادهم وأرض كينونتهم. ولكي يصير المغرب بلد يتسع لكل مكوناته العرقية والثقافية والاجتماعية بالفعل، فهذا يتطلب بشكل ملح التنصيص على أمازيغيته، واعتماد سياسة ترابية ونظام جهوي عميق يعتمد المدخل اللغوي والثقافي والحق في ثروات المجال،  اضافة الى التنصيص على رسمية اللغة الأمازيغية في الدستور الديموقراطي المنشود