بدون حرج على مدي1 tv: فوضى المفاهيم وتشريع الزنى

ناظور اليوم : مصطفى هطي /  فاعل جمعوي

يستطيع المتابع لبرنامج “بدون حرج” الذي تبثه قناة “مدي1 tv” والذي خصصت إحدى حلقاته لما سماه البرنامج ظاهرة  “الأمهات العازبات وأبناءهن” أن يقف على فوضى المفاهيم في موضوع حساس وخطير يهدد كيان المجتمع حذر القران الكريم من الاقتراب منه (ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) الإسراء 32. وعلى حد قول ضيوف الحلقة فقد حاولوا كشف المستور والتأسيس لثقافة جديدة من شانها معالجة هذه الظاهرة وإذا بهم عن وعي وعن غير وعي يشرعون للزنى.

فالمفاهيم معالم وهي التي تمفصل العالم وتسهل إدراكه من خلال بناء تصورات ذهنية عن الأشياء الخارجية سواء كانت ماديات ملموسة كالشجرة والسيارة والمنزل أو كانت معان مجردة كمفهوم الأسرة والأم و الزنى… وليس عبثا أن سمى القران واصطلح بلفظ الزنى على تلك الممارسة الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج وسمى الأنثى المرتكبة للفاحشة زانية والذكر زان وحدد عقوبتيهما في الجلد  أو الرجم ولخطورته حذر من الاقتراب من مسبباته كما جاء في الآية السابقة وفي كثير من الأحاديث ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).و (أن رجلا زنا بامرأة ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحد ، ثم أخبر أنه محصن ، فأمر به فرجم). لتأتي رئيسة جمعية إنصاف لنشر ما تعتبره ثقافة التعايش الاجتماعي مع ظاهرة ما سمته “الأم العازبة وأبناؤها” وقد أصبحنا نرى الزانيات  بوصف القران الكريم يضعن أولادهن و يدافعن بكل جرأة عن جرم وذنب ارتكبته امرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت تطلب منه تنفيذ الحد.

والخطير في هذا الأمر هو أن رئيسة جمعية إنصاف لم تقف عند التأسيس  لتلك الثقافة الاجتماعية المتعايشة مع الزنى من فكرها ومرجعيتها التي تمتح مما يسمى  بالمرجعيات والمواثيق الدولية بل تخصصت في فقه الحديث و أصبحت مفسرة لتقول بان الحديث النبوي “الجنة تحت أقدام الأمهات” يشمل الأمهات العازبات  لأنه كما تقول ذكر لفظ الأمهات وسكت ولم يحدد الأم العازبة أو المتزوجة.إننا أمام توظيف خطير للدين ـ بغض النظر عن صحة الحديث ـ لتشريع الزنا باستعمال مفاهيم جديدة تشوه الحقيقة في أذهان الناشئة ولعل هذا من فتن هذا العصر التي سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بفتن الدهيماء( فإذا قيل انقضت تمادت! يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ) وسماها كذلك كناية على شدة ظلمتها وانتشار بلائها في المدن والبوادي والمعامل والمؤسسات التعليمية كما يشرح د فريد الأنصاري رحمة الله عليه في كتابه “ميثاق العهد مع الله”.

ويكفي مراجعة الأرقام حول ظاهرة الحمل غير الشرعي كما تقول وفاء بن عبد القادر، رئيسة جمعية كرامة لتنمية المرأة بطنجة : (اشتغلنا إلى حدود الآن على عينة من 168 تتكون مما يسمى بـ ”الأمهات العازبات”، وتنقسم إلى أربع فئات عمرية، الأولى تمثل نسبتها 26 في المائة وهي الفئة العمرية التي تتراوح أعمار عيناتها ما بين 25 و30 ستة، والفئة الثانية تمثل نسبة 23 في المائة ويفوق سنها 30 سنة، والفئة الثالثة 46 في المائة، يتراوح سن عيناتها ما بين 18 و25 سنة بينما الفئة الرابعة وهي موضوع النقاش فتمثل 5 في المائة، ويتعلق الأمر بالقاصرات اللواتي تقل أعمارهن عن 18 سنة. وما أود الإشارة إليه بخصوص الأسباب التي أدت إلى حمل هؤلاء القاصرات هو أن 85 في المائة من هذه الحالات من الحمل غير الشرعي سببها العلاقات أو ما يسمى بـ”الصديق”.) .

وبشهادة أحد ضيوف الحلقة المذكورة الذي اشرف على دراسة عربية سألت عينة من الشباب المغربي عن طموحه في المستقبل وماذا يريد أن يكون مستقبلا فكان الجواب الغالب ليس ـ يقول الضيف ـ طبيبا أو مهندسا أو أستاذا أو شرطيا و إنما أن يقوم بدور جنسي في حياته تماما كما يشاهد في الأفلام التي تعرض في قنواتنا الوطنية حتى التخمة من مكسيكية مدبلجة وبالعامية المغربية إلى تركية مدبلجة باللهجة السورية إلى الأفلام الغربية الخليعة.

لقد نسيت السيدة رئيسة الجمعية أن مفهوم الأم في الإسلام دال يطلق على مدلول يعني المرأة المتزوجة زواجا شرعيا موثق بعقد الزواج  بعد القبول و الرضى بين الفتى والفتاة وبين الأسرتين وعند جل المغاربة حتى تقام الوليمة ويعلن فيها أن فلان وفلانة تزوجا ثم إقامة العقيقية بعد أن تصبح الزوجة أما. في حين أن الدال الذي أطلقه القران الكريم على العملية الجنسية خارج إطار الزواج هو الزنى وسمى مرتكبيه زانية وزان وخصص لهما عقوبة الجلد لغير المتزوجين والرجم للمتزوجين على التساوي كما جاء في الحديث السابق وان كلمة العازبة بدون لفظ الأم  في ثقافة المغاربة هي التي لم تتزوج وحافظت على شرفها وأنوثتها.

إن هذا الاستعمال الفوضوي للمفاهيم وتوظيف دوال جديدة لمدلولات معروفة كتصورات ذهنية من شانه أن يشوه الصورة في أذهان الأجيال الصاعدة ويؤسس لثقافة الزنى كما هو الحال في استعمال مفاهيم من قبيل ” المنشطة الاجتماعية” أو “الخدمات الروحية” التي هي لمدلول واحد الزنى.

إن مناقشة ظاهرة خطيرة بحجم ظاهرة  الحمل غير الشرعي وفي قناة موجهة إلى الشعب المغربي يجدر بها تقارب الظاهرة بمفاهيمها الحقيقية ومن جميع الزوايا الدينية والاجتماعية الاقتصادية والثقافية والقانونية ودعوة متخصصين في هذه المجالات بما في ذلك اللغويون حرصا على المفاهيم التي هي وليدة مرجعية الشعب المغربي الإسلامية التي تسمي الأشياء بمسمياتها. والاعتراف بالمسؤولية  المباشرة للإعلام المحسوب على الوطن الذي يساهم بشكل كبير في نشر الثقافة الجنسية الخاطئة التي تروجها الأفلام المد بلجة التي لا تمت بصلة إلى هوية الشعب المغربي وثقافته و لا حتى إلى فطرة الإنسان الأخلاقية.

هذه الأفلام التي جعلت حلم الشاب والشابة هو ربط علاقة عاطفية تتحول إلى علاقة جنسية خارج مؤسسة الزوجية تفضي في النهاية إلى ما سماه البرنامج “الأم العازبة وأبنائها” أي ما أسماه الشرع الحكيم الزانيات وهو ما يؤدي إلى تفكيك مفهوم الأسرة ذي الأبعاد القيمية والأخلاقية والمصدر الأول للتنشئة الاجتماعية .