بكل هدوء

بقلم : شعيب عمر

إن الاستثناء المغربي خرافة 
هذه النتيجة هي أقل ما يمكن أن يوصف به المسار الذي اعتمد في تدبير المرحلة الحالية بالمغرب المطالبة بفتح الأبواب لربيع ديمقراطي حقيقي. كثيرا ما سمعنا عن هذا الاستثناء المغربي الذي كان بالإمكان أن يشكل معجزة في محيط متسم بتدبير الاختلاف بالقسوة والعنف والتقتيل. الأصوات الرسمية وشبه الرسمية التي طبلت لهذا الاستثناء كانت تحيل في مواقفها إلى قدرة المغاربة على المرور إلى بر الأمان بدون ممارسة العنف وسفك الدماء. قد يكون هذا الهدف لحد الآن – وأشدد على جملة لحد الآن- قد تم بلوغه، لكن هل كان الهدف هو تجنب العنف أم بالفعل أن الاستثناء الحقيقي كان مما يعنيه الوصول لتوافق وطني حول مشروع للتغيير يبدأ أولى خطواته من الوثيقة الدستورية؟

ما يمكن ملاحظته بداية أن الآليات التي اعتمدت في تمرير مشروع الدستور هي نفسها الآليات التي مررت عبرها كل مشاريع الدساتير السابقة. نفس اللغة في وسائل الإعلام العمومية ونفس الوزارة الوصية على عملية الاستفتاء ونفس المدرسة التي تفرخ العمال والباشوات والقياد والشيوخ والمقدمين. إنها نفس الآلية التي تستنهض همم جمعيات الجبال والسهول والوديان التي صارت جمعيات للمجتمع المدني بصيغة "حداثية" من قبيل "الأمل" و"الغد" والتنمية المستدامة". كل هؤلاء صنعوا الحدث كالعادة عبر تعكير صفو أهم خصوصية في ما كان يمكن أن يكون الاستثناء المغربي الحقيقي. هذا الاستثناء لم تكن النتيجة بخد ذاتها تعني أي شيء سواء أقر مشروع الدستور أو رفض. كان الحلم سيكون جميلا لو حصل تغيير حقيقي في سلوك هذا الإخطبوط الإداري والسياسي وحتى الاجتماعي الذي جعل من الحملة على الاستفتاء، رقم قصر مدتها، تهريجا واستعراضا لتحالف القوى المضادة للتغيير. من يستطيع أن يدافع أن هذه الحملة كانت قيمة مضافة في "مسيرة التغيير" على الطريقة المغربية؟

 هل كان على مشروع الدستور أن يمر بأي طريقة؟

إن الغالب أن الإرادة وليست النية كانت كذلك. سواء بالنظر للمدة المخصصة للجنة الاستشارية أو حتى للمدة المخصصة لحملة الاستفتاء، كان ثمة شيء يوحي بان الإرادة العامة لدواليب الحكم تريد تمرير هذا الدستور بأسرع طريقة ممكنة ولكن باستعمال نفس الأساليب القديمة مع ترك هامش صغير للمعارضين، لأن "النظرة الحداثية" تقتضي ذلك أو أن الأمر تمهيد لتسهيل مأمورية المكلفين بالعلاقات العامة وعلى رأسهم السيد الناصري وزير الدفاع عن الدولة. لو قدر لهذه الحلمة أن تستمر لأسبوعين لشهدنا ربما براءة اختراعات جديدة تتعدى تجييش المدانين جنائيا والصوفيين والمساجد والأطفال واستعمال الطائرات لإلقاء مناشير. فبعدما كانت الدولة تكتفي باستعمال وسائلها المباشرة من إعلام وأجهزة الداخلية، أضافت إليه هذه المرة هذه الباقة المتنوعة من الوسائل المستحدثة بالإضافة للأحزاب التي كادت أن تنساها قبل أن تعود لتتذكرها وطبعا للضرورة أحكامها.

وعلى ذكر هذه الأحزاب التي رقصت على نغمة واحدة كلها تقريبا يحق للمرء أن يتعجب منها. هذه الأحزاب تحت كل المسميات انخرطت في الجوقة حتى بدون شروط. ألم يكن من الأجدى لها ان تطالب بالشفافية الحقيقية الواجب العمل بها خلال الاستفتاء لأن هذه الشفافية سيحتاجونها غدا غن قدر للبلد أن يعيش انتخابات ما؟ مالذي يضمن لها أن الانتخابات القادمة لن تمر بنفس الطريقة القديمة/الجديدة؟ لا أحد. الشيء الذي لا يخامرني شك فيه أن الكثير من الأحزاب سيسمع عويلها بعد الانتخابات لسبب بسيط: هذه الأحزاب لن تكسب شيئا من انتخابات تمر بنفس الترنيمة وتلعب على نفس الأوتار وبنفس الأوكسترا. ومن كان يعتقد بأنه سيكون الحزب الأقوى أو انه سيكتسح الانتخابات فهو واهم.. والزمن بيننا.

الذين شاركوا في لعبة الاستفتاء الجديدة/القديمة سيكون من حقهم أن يطالبوا بالثمن. هذه الفكرة ليست غريبة، فاستقراء تاريخ العلاقات في المغرب بين المنظومة الحاكمة وبين اللاعبين السياسيين والاقتصاديين وحتى الاجتماعيين هي علاقة مبنية على مبدأ بسيط : جزرة وعصا. الذين يرفضون الجزرة سيكون عليهم أن يقبلوا بالعصا ومادامت هذه اللعبة ليست بالسهولة التي كانت سابقا، أي أن "الحق" في العصا أصبحت تحت المجهر الدولي والحقوقي فان الحق في الجزرة المضخمة هو الأسلوب الأمثل. 

هؤلاء الفاعلون السياسيون الذي بصموا بالعشرة على الدستور سيبدؤون من الغد في المطالبة بحقهم في الجزرة والفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون لن يتأخروا يدروهم. كل هؤلاء سيطالبون بالتعويض عن وقوفهم في وجه حركة 20 فبراير ومساهمتهم في "العبور" بالدستور حاملين "نعم" معهم. السياسيون سيطالبون "بالحق" في تمثيلية مناسبة والفاعلون الاقتصاديون سيطالبون "بالحق" في مزيد من "الخدمات" من طرف الدولة والفاعلون الاجتماعيون سيطالبون "بالحق" في التمويل بعدما أصبحوا يعملون "للمنفعة العامة". أشك أن حتى هؤلاء الذين سموا بالبلطجيين او الشماكرية سيطالبون "بالحق" في "الفنيد" و"السلوسيون" وحتى "الحق" في "الڴريساج". 
كل هؤلاء سيطالبون بهذه "الحقوق" والمشكلة أن الدولة بالطبع لن تستطيع تلبية كل هذه المطالب لكل هؤلاء.. لذلك فمن المنطقي أن نسمع الكثير من العويل.

في الأخير لا يسع المرء إلا أن يتأسف لان الدولة بمفهومها العميق لم تتغير بعد في المغرب. كان النجاح في متناول اليد وكان بالإمكان تقديم نموذج مغربي حقيقي يولد من رحم المغرب، نموذج يرى في الاختلاف رحمة سواء مع الدستور أو ضده. كان بالإمكان أن يجرى استفتاء حر ونزيه وديمقراطي ويصوت عليه الشعب أو يقاطعه. كان بإمكان الدولة أن تعطي المعارضين نفس الفرصة التي أعطتها لنفسها ولمؤيديها بمنطق المساواة وليس بمنطق الأغلبية البرلمانية التي أقرت ضمنا أنها ليست ديمقراطية. 
أكبر خطيئة لهذا الاستفتاء أنه قسم المغاربة بين فريقين: نعم ولا مع الكراهية. كان من الأفضل أن يقسمهم بين نعم ولا بدون كراهية. 

إن الحقيقة أن الدولة ومعها المجتمع المحافظ لم يستطيعوا أن يهضموا أن تسحب حركة شبابية البساط من تحت أقدامهم لتشكل اكبر حزب معارض حقيقي والوسائل التي استعملت في مواجهة الحركة لم تكن ديمقراطية.. الخوف كل الخوف أن يلجا هؤلاء الشباب إلى رد فعل غير ديمقراطي خصوصا إذا ووجهوا غدا بالعنف وهم مصرون على التظاهر مجددا… الله يستر.