بوحمــــارة.. مـتـمرد حـكـم بلاد الـمغرب سبع سنوات

نـاظورتوداي : الأن 

نهاية القرن التاسع وبداية القرن العشرين كانت فترة ضعف الدولة المغربية بامتياز. ولعل أهم مؤشر على هذا الضعف، بالإضافة إلى تزايد الخطر الأجنبي، هو التمردات المتتالية ضد السلطة المركزية. من بين هذه التمردات ثورة الجيلالي الزرهوني، المعروف بـ”بوحمارة”، الذي استطاع أن يشيّد «مملكة» على هامش الدولة العلوية، دامت 7 سنوات.
 
كثيرون هم الذين قضوا في خدمة المخزن مدة طويلة، قبل أن يقرّروا في لحظة ما شقّ عصا الطاعة عليه. لم يخرج الجيلالي الزرهوني، المعروف بـ «بوحمارة»، عن القاعدة. وربما لا أحد كان يتوقع لرجل بدأ حياته السياسية في بلاط سلطان قوي، كمولاي الحسن، أن يخرج ثائرا في وجه ابنيه مولاي عبد العزيز ثم مولاي عبد الحفيظ، قبل أن يلقى حتفه في نهاية مأسوية.
 
«الابن» الغاضب
عندما أراد المولى الحسن، أحد أكثر السلاطين العلويين محافظة، الانفتاح على التعليم العصري، كان الجيلالي الزرهوني، المولود على الأرجح سنة 1865 بزرهون قرب مكناس، أحد أفراد البعثة الطلابية الأولى التي أوفدها السلطان، سنة 1885، إلى المدرسة العسكرية لمدينة مونبولييه بفرنسا. هناك فتح الجيلالي عينيه على أساليب الحرب والعلوم العسكرية الحديثة. وعند عودته إلى المغرب، اشتغل في القصر السلطاني بمراكش كاتبا ومستشارا لمولاي عمر، شقيق السلطان مولاي الحسن، وخليفته على هذه المدينة.
 
كانت الأمور تسير في مجراها العادي، وبدا أن لا شيء سيغيّر من مسار حياة الرجل؛ لكن وفاة السلطان مولاي الحسن، سنة 1894، قافلا من حملته على تافيلالت، ستقلب حياة الجيلالي الزرهوني رأسا على عقب. في فاس، قاد الصدر الأعظم أحمد بن موسى باحماد «مناورة» نصّب من خلالها مولاي عبد العزيز، وعمره لا يتجاوز أربع عشرة سنة، سلطانا على عرش الإمبراطورية الشريفية، ما جعل كثيرين يشككون في شرعيته. كان مولاي عمر، شقيق مولاي الحسن، من بين هؤلاء. لكن، سرعان ما سيتم إخماد صوته والإلقاء بأعوانه في السجون. ولم يستثن الأمر الجيلالي الزرهوني الذي قضى سنتين في السجن جنبا إلى جنب مع رجل قوي، هو المهدي المنبهي، وزير الحربية في ما بعد. ورغم أن الجيلالي الزرهوني قضى فترة أقل من المنبهي في السجن، إلا أن قطيعته كانت نهائية مع المخزن العزيزي، فرحل عن فاس في اتجاه المغرب الشرقي، في بداية سنة 1900، ثم التحق بالجزائر.
 
في مستغانم بالجزائر، التحق الجيلالي الزرهوني مريدا لشيخ اسمه محمد بن عبد القادر بن عدة البوعبدلي. هناك ربط علاقات قوية مع عدد من الشخصيات والقبائل ستكون عونا له في ثورته لاحقا. وبعد أقل من عام، عاد إلى المغرب الشرقي وأسس طريقة شاذلية أطلق عليها «الطريقة النورانية»، شكلت أساسا لحشد الناس إلى دعوته السياسية.
 
لم يكشف الجيلالي الزرهوني، في البداية، عن حقيقة أهدافه، واكتفى بتوجيه انتقادات حادة إلى المخزن المركزي، على أساس مبدأين: أولا، المس بشخصية المولى عبد العزيز، باعتبار صغر سنه وعدم أهليته للحكم. وثانيا، مناهضة التدخل الأجنبي، خاصة الفرنسي والإسباني، الذي بدأ يتسلل إلى داخل البلاد من الشرق والشمال.
 
«بوحمارة» الثائر
في الواقع، كان الجيلالي الزرهوني يخبئ للجميع مفاجأة كبيرة، إذ سرعان ما أعلن أنه الأمير مولاي امحمد، الابن الأكبر للسلطان مولاي الحسن، وأنه أحق بالملك من مولاي عبد العزيز الجالس على العرش. مولاي امحمد هذا كان، حينها، في السجن. فبعد وفاة مولاي الحسن، وضع باحماد كافة الترتيبات لتولية مولاي عبد العزيز، ومن بينها التخلص من الابن الأكبر مولاي امحمد، عبر وضعه في السجن؛ وهي النقطة التي استغلها الجيلالي الزرهوني لانتحال شخصية الرجل والمطالبة بالعرش. ويبدو فعلا أنه لا أحد اهتم بالتحقق من صحة مزاعم الجيلالي الزرهوني، إذ لقيت دعوته صدى كبيرا في شرق وشمال المغرب.
 
كان الجيلالي الزرهوني يجوب القبائل لنشر دعوته على ظهر حمارته، وهو أكسبه لقب «بوحمارة»، مستغلا معرفته بالعلوم الشرعية وبالفقه في استمالة سكان القرى والقبائل التي استطاع أن يضم إليه عددا منها، وفي مقدمتها قبائل غياثة التي بايعته سلطانا على المغرب. وهكذا، بدأ في وضع الأسس الأولى لمملكته في شرق وشمال المغرب. وأصبح له وزراء وجيش وموارد مالية، بل صار يصدر حتى ظهائر سلطانية.
 
لم يعط المخزن، في البداية، كثيرا من الاهتمام لهذه الحركة الجديدة، إلا أن «بوحمارة» قام بخطوة زلزلت أركان المخزن العزيزي؛ ففي سنة 1902، استولى على مدينة تازة وجعلها عاصمة لحكمه. ولم يجد المخزن بدا من مواجهته، فأرسل جيشا لحربه، إلا أنه مني بهزيمة منكرة، في نونبر 1902. حينها، لم يكن مر على اندلاع ثورة «بوحمارة» أقل من سنة واحدة. وبعد انتصاره، فضّل «بوحمارة» التوسع في الشرق والشمال، مؤسسا منطقة حكم شاسعة تشمل الشرق والريف وتمتد من وجدة إلى طنجة، ودام حكمه فيها حوالي سبع سنوات.
 
أحسّ مولاي عبد العزيز بالخطر الذي يمثله «بوحمارة» على السلطة المركزية؛ فكلف وزير الحربية، المهدي المنبهي، بمحاربة «بوحمارة». تمكن المنبهي، الذي كان يوما رفيقا لـ»بوحمارة» في السجن، من تضييق الخناق على غريمه، بل واحتلال عاصمة حكمه تازة سنة 1903. وزادت أمور «بوحمارة» تأزما بظهور معالم ثورة جديدة في الشمال يقودها أحمد الريسوني، ما جعله يفقد مدينة طنجة، حيث صارت منطقة نفوذه تنحصر في حدود وجدة؛ لكن أحد الأسباب الرئيسية التي عجّلت بسقوط حركته هو عقده اتفاقيات مع فرنسا وإسبانيا، تسمح لهما باستغلال مناجم المعادن في المنطقة، الأمر الذي لم يرض عددا من القبائل، فسحبت دعمها له. حينها، صارت مهمة المولى عبد الحفيظ، الذي تولى الحكم خلفا لأخيه عبد العزيز، أسهل، فتم القبض على «بوحمارة» في غشت 1909، ووضع في قفص وعرض في الساحة الكبرى بفاس، قبل أن يعدم رميا بالرصاص يوم 12 شتنبر 1909. 
 
الريسوني. ثـــورة أخــــرى
بالتزامن مع ثورة الجيلالي الزرهوني، «بوحمارة»، اندلعت ثورة أخرى قادها أحمد الريسوني، الذي استطاع أن يسيطر على مناطق شاسعة في شمال المغرب. فبعد 6 سنوات في سجون السلطة المركزية قضاها في الصويرة، استطاع الريسوني، المولود سنة 1870 بقرية الزينات بفحص طنجة، أن يجمع وجهاء قبائل المنطقة الذين خلعوا بيعة مولاي عبد العزيز وبايعوه بدلا عنه، وعلى رأسهم العياشي الزلال، والعربي الدامون، والعربي الخيضر وغيرهم.
 
سرت دعوة الريسوني بسرعة كبيرة بين قبائل «اجبالة»، وحاول السلطان المولى عبد العزيز القضاء عليها؛ لكن دون جدوى. ولما ظهر الخلاف بين الأخوين عبد العزيز وعبد الحفيظ سارع الشريف الريسوني إلى مبايعة هذا الأخير، الذي ولاه على المناطق الخاضعة لنفوذه. لكن قوات محمد بن عبد الكريم الخطابي ألقت القبض على الريسوني، الذي نقل إلى تامسينت، وسمح له الخطابي باصطحاب زوجاته وأمواله إلى مقر إقامته، حيث توفي نتيجة مرض شديد، سنة 1925، وعمره لما يتجاوز الستين.