حلم مهرجان ” كــان ” يقترب من الناظور

بوطيب: المدينة تتغير اقتصاديا والمهرجان ملاذ المؤمنين بالتعايش والتعدد والمساواة بين الجنسين

ناظورتوداي :

يرى عبد السلام بوطيب، مدير المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة، أن السينما هي المفتاح السحري لإشراك الرأي العام في قضايا الذاكرة المشتركة، والاشتغال على إعادة بناء الماضي بسلاسة دون توترات في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مشيرا إلى أن هناك تجاهلا حكوميا لقيمة الثقافة وغياب دعم قوي من بعض المؤسسات والقطاعات، في ما يلي نص الحوار :

< هل هناك علاقة بين مركز حقوقي يبحث في الذاكرة المشتركة والسينما ؟

< الأساسي في المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة هو طبيعة الجهة المنظمة له، فمركز الذاكرة المشتركة من أجل السلم والديمقراطية عبارة عن جمعية حقوقية سياسية تهتم بالذاكرة المشتركة، بما تعنيه من إعادة بناء ماض لا يريد أن يمضي، فلو سار بسلاسة لأصبح في يد المؤرخين، كما هو الشأن في كل الأحداث السلسة… لكن لرفضه هذه الحتمية، فهو في أيدي الحقوقيين والسياسيين، وهي إشكاليات جيوسياسية كبرى تؤثر في العلاقات بين الدول الكبرى، رغم أهميتها في تحديد مسار منطقة بأكملها .

ومنذ تأسيس المركز سنة 2006 إلى غاية 2011، ونحن نحاول أن نشتغل على تدبير هذه الاشكالات في إطار ندوات ولقاءات فكرية ومحاضرات، ما مكننا من بناء منهجية تُكيف ما يطلق عليه العدالة الانتقالية من أجل حل عدد من الإشكاليات، لكنها ظلت غير مستوعبة عند عموم الناس ولم تتجاوز أسوار الصالونات الفكرية. ومثال على ذلك أن جزءا كبيرا من سكان الناظور والحسيمة وتطوان هم ضحايا مرض السرطان، علما أن جل الدراسات الأوربية والمغربية كشفت أن سبب ذلك مرتبط بالاستعمار الإسباني للمنطقة ولجوئه إلى قصفها بالغازات السامة طيلة أربع سنوات.

ولعل طرح هذا الإشكال على إسبانيا، التي تتعامل بحذر شديد مع ذاكرتها أصلا فبالأحرى مع الذاكرة المشتركة، سوف يصبح كمن يعلن الحرب، ففي سنوات ماضية تعرضنا لهجوم من طرف جريدة «البايس» الإسبانية التي اتهمتنا بتسييس التاريخ، والحال أن لاعلاقة لنا بالتاريخ، بل نسعى للبحث في الموضوع بصفته إشكالية حقوقية وليست سياسية أو أكاديمية، فمثل هذه القضايا حساسة جدا ترتبط بالعلاقات بين بلدين تجمعهما المصالح، وتحتاج إلى ذكاء عال وجماعي…وهي مثال فقط لقضايا عديدة سواء مع إسبانيا والجزائر أيضا. كان لابد للمركز من الانتقال إلى فضاء آخر بعيدا عن الندوات والمحاضرات الفكرية، فكان التفكير في وسيلة للجمع بين الأمرين، وتوصلنا إلى أن السينما هي المفتاح السحري، فكانت تجربة الدورة الأولى التي نظمت تحت عنوان العلاقات المغربية الإسبانية: الذاكرة المشتركة، والتي عرفت عرض عشرة أفلام تحت يافطة تظاهرة سينمائية، نظرا لغياب الإمكانيات ومنها وجود القاعات السينمائية بالناظور، وحاولنا ملامسة قضايا تتعلق بالاجتثاث الديمغرافي خلال فترة الاستعمار الإسباني وانعكاساته، في أفق بناء علاقات ثنائية مستقبلية خالية من الاضطهاد، وليس لعب دور الضحية، وهو ما فهمه الإسبان.

< المهرجان به حمولة فكرية كبيرة جدا، فهل نجحتم في تحقيق بعض أهدافكم؟ وهل تلقون تجاوبا مع باقي الفعاليات؟

< سأجيب بحضور ماريا تريزا، نائبة رئيس الوزراء الإسباني السابق في المهرجان، فهذه المرأة تحمل رمزية كبيرة، منها أنها صاحبة قانون الذاكرة الإسبانية، ودلالة حضورها في الناظور أثارت نقاشا إعلاميا، الآن، في كبريات الصحف الإسبانية، حول أسس بناء علاقة مع الجارة الشمالية سليمة، أساسها الاحترام، علما أن مجال اشتغالنا لا يقتصر على العلاقات الثنائية مع الدول، بل على فضاء البحر الأبيض المتوسط، باعتباره بحيرة للعالم مرة ومقبرة جماعية للمتوسطيين الجنوبيين مرة ثانية، ناهيك عن وجود عدة شخصيات وازنة لبت دعوة الحضور، مثل الخبيرفي مفهوم المتوسط والسفير اللبناني في واشطن سابقا، إضافة إلى شخصيات أخرى تضيف نكهة أخرى للمهرجان.

نحن نمارس دورنا مجتمعا مدنيا، ففي عهد حكومة عباس الفاسي كنا نجد تجاوبا كبيرا مع وزراء تكنوقراطيين، عكس الحكومة الحالية، فرغم أنها حكومة سياسية، يفترض في وزرائها امتلاك رؤية واضحة لمفات حول سبتة ومليلية، والذاكرة العالقة، سؤال الاستعمار، والاشكالات الاستراتيجة للعلاقات الدولية، إلا أن العكس ما وجدناه.

< هل وجد المهرجان مساره دون وجود معيقات ؟

< بالعكس، فأول المثبطات غياب قاعة لعرض الأفلام في الناظور، فما نتوفر عليه، الآن، شبه مركب ثقافي جعل مجهوداتنا تتكثف لجعله قاعة سينمائية، وهو ما يكلف أزيد من ثلث الميزانية، في حين أن لجنة دعم المهرجان خصصت قيمة مالية لا تتجاوز 20 مليون سنتيم، وهو مبلغ متواضع مقارنة مع نوعية الضيوف والمصاريف التي تتطلب التنقل والإقامة واللوجستيك، والغريب أن سبب منحنا هذا المبلغ الهزيل، حسب ما توصلنا إليه، يعود إلى عدم توفر المدينة على قاعة سينمائية، رغم أن المنطق يفرض عكس ذلك .

ومن سوء حظ الدورة الخامسة للمهرجان أنها جاءت في فترة انتقالية للمؤسسات المنتخبة، مثل الجهة مثلا، فوضع المهرجان أمام عوائق عديدة، مثل عدم التأشير على الميزانية أو اختلاف الرؤى بين الأحزاب المسيرة والمعارضة، ناهيك عن غياب رؤية حول كيفية التعامل مع الثقافة، علما أنها أصبحت، في تقدير كل الخبراء، تمثل روح الاستثمار، فالمشاريع الكبرى التي تعرفها الناظور تفتقد لرؤية ثقافية، دون الحديث عن تراجع مؤسسات كبرى في دعم المهرجان بدعوى وجود أزمة اقتصادية فتغافلت أن الثقافة هي أساس التنمية .

< ما هو حلم مركز الذاكرة المشتركة ؟

< حلمي الشخصي أن يتحول مهرجان الناظور إلى «كان» سينمائي في غضون الدورات القليلة المقبلة، لأن المشاريع الاقتصادية بالمدينة ستغير وجهها بشكل كبير جدا، ما يفرض أن توازي ذلك رؤية جديدة للمدينة بقاعاتها السينمائية والمسرحية والمركبات والنوادي الثقافية التي تعكس التنوع الثقافي للمنطقة، وتحافظ على هويتها بالانفتاح على الهويات الأخرى، وجعلها قبلة للتعايش لكل المؤمنين بالتعدد والحفاظ على الكرامة الانسانية والمساواة بين الجنسين وثقافة الجمال التي تواجه ثقافة الظلام .

أجرى الحوار : خالد العطاوي / الصباح