خذوا السياسة من عيـون المغاربة

بقلم : بدر أعراب 

 شك أن أي مهاجر مغربي مقيم بديار المهجر، عائد إلى أرض وطنه الأم بعد طول غياب، حاملا معه من الغربة أو التغريبة على الأصح، ذاك الشوق والحنين الدفينين لأرض بلده بناسها وشمسها وعبق أتربتها، يستغرب عند تطلعه إلى الوجوه التي تركها خلفه قبل سنوات من رحيله، كيف أنها كانت وجوها غضة بادية على طلعاتها الرضى أو ما شابهه، جراء أثر النعمة، والإبتسامة العريضة التي لم تكد تفارق محيا كل مغربي، وكيف لها اليوم أن تحولت بقدرة قادر إلى مجرد وجوه! دون أن تكون غضة ولا راضية.

 وجوه بتعبيرات مختلفة، حاملة شعارات وعناوين سخط، وكأن هذه السحنات المغربية جميعها بمثابة "لافتات" تمشي في الأسواق وتأكل الطعام.
فليس صدفة أن يتصدر المغرب السنة الفارطة مؤخرة ترتيب الدول التي وضعت رهن إختبار قياس سعادة مواطنيها، وفي نظري قد أخطأت حكومة عباس الفاسي كثيرا عندما لم تفكر في تقديم عريضة إحتجاج كبيرة لدى الجهة المنظمة لقياس سعادة شعوب الكرة الأرضية على إستهزاء هذه الأخيرة بمغربنا حين تم الزج به في هكذا قياسات أكبر من مقاساته.

ولنكن صرحاء ونطرح السؤال التالي، ما الذي يبعث على إسعاد المواطن المغربي العادي والبسيط منه في بلادنا إذا ما إستثنينا البوادر الطيبة التي يسهر عليها جلالة الملك بمفرده؟ والتي تجد لها صدى وصيتا واسعا لدى كل شرائح المجتمع، لكن دون أن تجد للأسف من يحذو حذوها في دوائر السلط الثلاث؟
هل الباعث هو حكومة عباس الفاسي والأربعين وزيرا من حوله، كلهم لا يجيدوا سوى العض على كراسيهم بالنواجد فضلا عن إجادتهم فن صياغة خطاب لغة الخشب المؤلوفة لتبرير فشلهم الذريع تلو الفشل؟

فذاك حميش بنسالم وزير الثقافة ما القيمة المضافة التي أضافها إلى المشهد الثقافي كفيلسوف عصره؟ بصيغة أخرى ما الذي قدم سعادته لضخ "دماء" جديدة في شريان الحياة الثقافية بالمغرب خلال فترة إستوزاره؟

وتلك ياسمينة بادو وزيرة الصحة، هل تناهى إلى مسامعها ما مفاده أن نساء مثلها ما زلن يضعن حملهن وفق الطريقة البدائية للولادة على يد "القابلة" نظرا لتعذر رحلاتهن المكوكية للوصول إلى أقرب مركز إستشفائي.

وهذا توفيق أحجيرة وزير الإسكان والتعمير، الذي نشير بالمناسبة عن إختفائه تقريبا عن الأنظار وحضوره بدا خجولا جدا بالمشهد الإعلامي عموما، بعد إخفاقاته في مسألة وعوده بالقضاء على دور الصفيح وفشل مخططه "مدن بلا صفيح" ولكن أين هو اليوم من وعوده تلك؟

أم الذي يبعث على التفاؤل بحق، هو جهاز القضاء الذي يسمع المواطنون بشأنه كل مرة عن "إنتكاسة" جديدة تنضاف إلى سجله بدل "إصلاح" بات اليوم ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، كما غدت بعض أصوات العقل تنادي به؟

وأما إذا كانت السياسة التي تمثلها وتمارسها عادة الأحزاب والمعارضة، هي ما يسعد الشعوب في بلدان الناس، فعندنا في المغرب السياسة تسبب إنفصاما خطيرا في شخصية المواطن، بحيث يتعذر عليك الفهم على الإطلاق كيف "لمرشح برلماني" يوزع الملايين يمينا وشمالا لشراء الذمم، أن يخدم الصالح العام! ولك أن تتساءل هل هذا البرلماني يموت حبا في الشعب إلى درجة تجعله يصرف أموالا طائلة من ماله الخاص بغية الحصول على مقعد في البرلمان من أجل سواد عيون الوطن للدفاع عن مصالحه؟

في حين لا تفهم بالمقابل كيف للبعض ممن قايضوا ضميرهم أو أصواتهم ـ فالأمر هنا سيان ـ مقابل حفنة دراهم، يأتيك بين عشية وضحاها مغييرين جلودهم كالحرباء ليشتكوا إليك فساد النواب وما إلى ذلك! وهذا نموذج بسيط لما تحدثه السياسة عندنا بالمغرب.

وأما الأحزاب وكوادرها فحديث آخر ذو شجون، فيكفي القول أنها جميعا بزعمائها الخالدين وقيادييها يغردون خارج السرب.

أم البرلمان هو وحده القادر على بث الغبطة والحبور في نفوس مواطنينا من خلال دوره التشريعي والرقابي؟ أي نعم نقول، ففي حالة برلماننا نؤكد أنه الوحيد القادر على إنتزاع الإبتسامة وأحيانا القهقهة من ثغور المواطنين، وذلك عن طريق إطلاق نوابه ـ ربما عمدا بغية التقشاب مع الشعب ـ عبر البث المباشر لجلساته الهزلية، مهاترات ومواقف ساخرة تبعث حقا على الضحك لكنه ضحك كالبكاء، وفي الغالب يبعث على الغثيان.

أم منتخبنا الوطني لكرة القدم الذي تدنى مستواه إلى درجة أصبح معه فريقا كرويا من قسم الهواة وبلا جمهور بإستطاعته أن ينازل منتخبنا غير مهاب الجانب على أرضية الملعب دونما أن يحدث ذلك بالنسبة إلينا فرقا.

لهذا كله ولدواع أخرى لا مجال لسردها، إحتل المغرب رتبة جد متدنية في قائمة سعادة الشعوب، وفي تقديرنا لو أن الجهة المنظمة، عملت على تنظيم مسابقة عكسية لقياس مدى شقاء الأمم، لتمكن المغرب من التربع على المراكز المتقدمة إن لم نقل الأولى في هذا المضمار، بحيث عندنا في "أجمل بلد في العالم" ـ وهذا الإسم جيء به ظلما وعدوانا ـ أن كل وجه مغربي يحمل تعبيرا منفردا مختوما ببصمة صاحبه، وقد تتخذ هذه التعبيرات أشكالا وصيغا تميز هذا عن ذاك، إذ يمكن أن تجد مواطنا مقطب الجبين على الدوام وآخر عاقدا حاجبيه مثلما يعقد لاعب كرة القدم حذاءه الرياضي، ولا يهمه إلا أن يواصل الكفاح والصمود حتى النهاية، طبعا كفاح الإبقاء على طريقة إحتجاجه الخاصة لكي يتميز بها عن الآخرين من منطلق خالف تعرف، وتراه يرسم بحاجبيه علامة إستفهام فوق العين المتمة لتشكيل رمز الإستفهام في هذه العملية.

وتجد آخر ما يميزه في إختيار طريقة إحتجاجه كونه حريصا على جعل عينيه جاحظتين خارجتبن عن آخرهما بشكل ملحوظ كسمك السلمون، إعتقادا منه أنه كلما إجتهد في إخراجهما حتى تظهر العروق حمراء وكأنها تغلى فوق نار هادئة، كلما أبدى للآخرين أنه أكبر المحتجين وأكثرهم سخطا عن الوضع! وأنه يشكل "خطر متنوع" لا يرجى الإقتراب منه، ولنا في موظفي الإدارات العمومية ورجال التعليم حصريا خير مثال لما نسوقه من أوصاف (مع إحترامي للجميع طبعا).

فهذه بعض النماذج التي حتما ستعثرون على الكثير منها في الشارع العام للوطن وهي وإن كانت تختلف من حيث الشكل فإنها جميعا تتوحد من حيث المبدأ وتندرج ضمن عناوين بارزة.

وعليه، فالبيت الشعري الذي يقول: خذوا الشعر من عيون الناس، لصاحبه نزار قباني، قد يتخذ بالنسبة لي صيغة أخرى: خذوا السياسة من عيون الناس، فالواحد بمقدوره أن يقرأ فيهما ما يتعذر إيجاده حتى في الممنوع من الكتب.