رد صيدلي … عزيزي الصحافي

أحمد الصقلي
 
بداية أشكرك جزيل الشكر على اهتمامك بي و بأحوالي. كان بودي أن تختار عنوانا لن نكون  فيه , أنا وكل زملائي, متهمين مع وقف التنفيذ. إنك بعنوانك هذا , وبخاتمتك أيضا, تجانب الصواب, وكأني بك تريد القول أن آلاف الصيادلة المغاربة هم مشاريع بارونات للقرقوبي , وأن السؤال النكرة الوحيد هو متى يحين دوري أنا مثلا, وقد أمضيت  28 سنة من عملي المهني.
 
كان بودي أن تختار عنوانا أخر , يشجعني وإياك على تبادل الأفكار والآراء , ربما تساعدنا على تصحيح مكامن الخلل , إن وجدت ستجدني أول من يعترف بها ويدعو إلى معالجتها. لكن قراءتي للمقال, أحرجتني كثيرا, لأنك لم تجد في ولو خصلة حميدة واحدة أتباهى بين أقرنائي. لم تعترف لي بأي خدمة أديتها حتى دون أن أقصد ” حتى أبقى في إطار تحليلك.كان يمكن أن تتصور مثلا أني كنت أنوي شرا مثل ما وصفتني به, وهاذا الشر انقلب من حيث لا أدري وأصبت قومي بخير ما , حتى هذه لم ترضاها لي.كان وصفك سوداويا إلى درجة أني تساءلت مع نفسي : هل لديك حسابات شخصية مع شخص ما جعلتك تسقط كل هذه التهم على زملائه بدون استثناء.
 
عودة إلى مقالك ,أخي الكريم,  أني على العكس تماما مما قلته أني لا أتذكرك جيدا , أو أني لم أرك يوما , تأكد أني اراك يوميا حتى لا أقول أني أراك ليل نهار. رأيتك البارحة في أنصاص الليالي تبحث , دون عناء, عن دواء لك أو لأحد لأقربائك الذين لا تحب لهم ولن نحب لهم أي مكروه. قصدتني فوجدتني في إنتضارك , في الوقت الذي اخترته أو اختاره لك القدر لكنك وجدتني. لم أطالبك بأي زيادة , نغم أي زيادة عاما أن القانون في دول كثيرة يعطيني هاذا الحق. ربما وأنت تقصدني , قد تكون استعملت طاكسي صقير وقد رأيتك تنزل وتطلب منه إنتضارك. لاحظت صديقي أن السائق طالبك بأجرة اكبر نضير اليل. وربما تساءلت أيضا , وإن لم يكن كذالك , فإسمح لي أن أسالك أنا :  هل سبق لي أن طالبتك بشيء جراء ” إزعاجك لي” ليلا وأنت تطلب علبة من “سوبرادين” أو أقراص “دوليبران” ولم أشأ أن أعطيك أمثلة أخرى حتى لا نسقط في الغرابة. إنك تقصدني ليلا لأتفه الأشياء و تجدني حاضرا , فكيف إذا قصدتني  وقريب لك ينتظر على أحر من الجمر في غرفة العمليات حتى تسعفه بدواء ربما ينقذه من الموت. لماذا لا تصب جام غضبك على مستعجلات لا تسعفك حتى في لحظة الاستعجال , وتعطي العنان للسانك ليقذفني بشتى أنواع الشتائم.
هل تعام , صديقي العزيز , أن المئات  من زملائي مثل الجندي المجهول , في ربوع بلادنا العزيزة يسكنون في صيدلياتهم , لأن ايس لهم مأوى أخر.
هل تعام , صديقي العزيز , أن الألاف  من زملائي على حافة الإفلاس , وهم مهددون يوميا في أرزاقهم ومستقبل أولادهم . من أين لهم أن يتعاطو للمضاربة العقارية أو غيرها. ثم أصلا و حتى نكون منصفين مع أنفسنا , وعادلين : ألم يسبقك أن عاينت مهنيين عدة من غير الصيادلة بساهمون في “أنشطة مدرة للدخل” دون أن يطغى ذلك على نشاطهم الرئيسي طبعا.
 
حين تقصدني ’ يا سيدي’ تواجهك مشكاة ثمن الدواء, و هذه حقيقة , لكن ما يؤلم هو أنه بدلا من أن تواجه المشكل حيث هو , وتناضل حيث يجب لا تجدني سواي أمامك لتقول أن ما يقلقني هو المريض الذي ليس له ثمن الدواء. نعم يقلقني ذلك , وهذا يحسب لي وليس علي, لكن تأكد يا صديقي أن ثمن الدواء أيضا يقلقني لسبب بسيط جدا هو أني من هدا الشعب و أسرتي من هدا الشعب وعائلتي من هدا الشعب.حين أنتهي من عملي فإني لا أذهب بعيدا بل أنغمس كليا بين أهلي الذين هم أنت و ذاك و أنا.
أني جزء من هموم الناس كيف لا و أنا أعايش همومهم ليل نهار.
كيف لا وقد قصدتني مرات عديدة وليس بيدك ثمن الدواء, فاضطررت , أنا الذي تنتقص الآن  من علمي , اضطررت أن أستحضر كافة إدراكاتي العلمية , والتي لا تريد أن تعترف لي بها , حتى أمنحك ما هو أساسية علما أن الوصفة شيء متكامل.
كم من مرة طلبتني أن أعطيك الدواء إلى أجل , ثم انتظرتك طويلا إلى أخر الأسبوع ثم آخر الشهر ثم أخر العام و أحيان كثيرة إلى يوم القيامة.
هل كنت لتتجرأ سيدي أن تطلب قرضا من أية مؤسسة شئت دون ضمانة و دون فوائد. و كيف تجرؤ ان تؤدي كل ما عليك من الجزار و البقال والحلاق… حتى إذا “شاط” شيء فليكن لي.
أعذرني سيدي إن أطلت عليك, ولكن كما يقال في غام الرياضيات , إن وسعت قليلا من زاوية رؤياك لوجدتني في القرى  و بين الجبال. هناك حيث لا طبيب و لا ممرض , هناك حيث أقوم بأدوار عديدة لن تخطر على بالك أبدا : من ساعي البريد إلى كاتب عمومي , أو وكالة بنكية  وحتى لا أبالغ فمرات عديدة يتقمصونني دور العدل  حيث “أوثق” الزواج نضرا للثقة التي أتمتع بها بين الأهالي و شهادتي بالنسبة لهم من شهادة العلماء. في المغرب العميق الذي لا يعرف بعد ما معنى العقود.
 
أعذرني سيدي إن سألتك : ها تساءلت يوما كيف يصل الدواء إلى القرى النائية والمداشر البعيدة. تتحدث سيدي عن وصفة الدواء , أنت تدرك جيدا وأنا أعرف انك تعرف, أن مواطنينا لهم قدرة شرائية ضعيفة جدا. هت تعام أن معدل استهلاكنا السنوي للدواء لا يتجاوز 400 درهم. نعم المعدل السنوي بالوصفات وغير الوصفات. إني أعتمد عتى نباهتك لتجيب على سؤالك, وأعتقد إن لديك الجواب.
سيدي : جملتك التالية, مع كل أسف, تنم على حقد دفين. “اكتشفت في النهاية أنك صيدلي و كفى” و أنساءل كما تساءلت في مقدمة مقالي: ما سبب هذا التحامل المجاني. لن أعلق على تعبيرك لأنه يعبر بنفسه, لكني أكتفي بالقول أني فخور جدا بمن أنا أو من أكون. لأني في قراره نفسي متأكد أني ثابرت ة اجتهدت كثيرا حتى أنال اعترافا من أعرق الجامعات في العالم  علما أن المشوار الدراسي الذي أتحدث عنه من أصعب الدراسات, ولكم أن تسألوا اين لم يحالفهم الحظ لنيل شهادة التخرج وهم كثر.
هل تعلم سيدي المحترم أن الصيدلي هو الأكثر إلماما بالدواء مقارنة مع كل مهنيي الصحة. إن أصل الدواء هو الصيدلي. أنت تعلم جيدا أن الطبيب كان في الأصل صيدليا قبل أن تتفرغ التخصصات لدى الحكماء بين صيدلي و طبيب و و .
هل تعلم سيدي المحترم أن الصيدلي هو المسؤول الأول عن وصفة الطبيب, وأن مسؤولية الطبيب إن أخطأ في وصفته لا شيء مقارنة مع المسؤولية القانونية للصيدلي.
سيدي: يشرفني جدا أني حاولت تناول بعضا مما قلته في مقالك, وحتى أكون منصفا شيئا ما و أنا أتداول الجملة التي  عنونت و أنهيت بها مقالك: ” ربنا لآ تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”
ختاما, أنت تعرف جيدا, صديقي, أني لا أقصدك في هذا المقال, كما أني لم أكن قصدك, لكن عذرا فبمثل هذا الأنا و الأنت , أعتقد أننا تواصلنا و توصلنا إلى تبليغ رسائل عديدة و عدة.