زلـــــزال الحسـيمة 2004 ……. رب ضـارة نــافـعــة

نـاظورتوداي : 

الإقليم تحول إلى ورش كبير والسكان يتساءلون حول جدوى مشاريع التهمت المال وجمدت

الذين مازالوا يرفعون شعار “لا للمصالحة” وحدهم يلقون بالكثير من المداد الأسود على اللوحة الجميلة للحسيمة، بعد أن نجحت في كسر جدار التهميش الذي عاشته عقابا منذ أحداث الريف. وإن كانت هذه المصالحة رهينة بالنسبة إلى هؤلاء بالكثير من الشروط المعنوية، أولها اعتذار رسمي يقدم بأي صيغة تختارها مراكز القرار، فإن المدينة تستقبل المصالحة بصدر مفتوح، من مطار الشريف الإدريسي إلى الميناء التجاري أو المحطة البحرية للمسافرين. وعلى امتداد التجزئات السكنية والمركبات السياحية ومراكز التكوين الثلاثة وأسواق الجملة والمجزرة الجماعية الجديدة وساحة محمد السادس وغيرها من المشاريع التي نبتت في الحسيمة مباشرة بعد الزلزال الذي رفع الحصار عن الريف.
 
مال كثير صب مباشرة من قناة الحساب رقم 101، إلى المشاريع التنموية، التي حولت المدينة المنفية وراء منعرجات “تيزي ويسلي”، إلى قطب استثماري ينتظر أن يفتح أبوابه للمستثمرين المغاربة والأجانب، وللزوار الذين مازالت تخطفهم تطوان وطنجة. وفي الوقت الذي سبق أن تحدث الوزير الأول الأسبق إدريس جطو عن غلاف مالي يصل إلى 238408449 درهما وتحدثت مصادر أخرى عن أزيد من ذلك، خاصة أن الحساب تلقى دعما إضافيا من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومن الاتحاد الأوربي، عدا أن مهاجري الريف المقيمين بالخارج فتحوا قنوات مباشرة انزلقت عبرها الأموال الطائلة لإعادة إعمار المنطقة، ولذلك يصر فاعلون حقوقيون وهم يتحدثون عن التحولات الكبيرة التي عرفتها المنطقة، على أن الفضل لا يرجع كله إلى المشاريع التنموية التي ترجمت وعد الملك محمد السادس إلى السكان في خطاب 25 مارس 2004، حين تحدث عن تعليماته للحكومة “قصد الانكباب الفوري على إعداد مخطط تنموي مندمج وهيكلي على المدى المتوسط والبعيد من أجل تأهيل إقليم الحسيمة وإعمار منطقة الريف”. بل يعود كذلك إلى مساهمات المهاجرين. وهي المصادر نفسها التي أكدت أن هذه البرامج التنموية جسدت انبعاثا جديدا للحسيمة المدينة على وجه الخصوص، وبعض المدن التابعة للإقليم ترابيا. هدير آلات البناء تتناقل أصداء دويه فجاج جبال الريف من تازة إلى الحسيمة، وهي الطريق التي تجري فيها الأشغال ليل نهار، لتكون فاتحة الإقليم على فاس وتازة، إذ أكدت مصادر مطلعة أن خاتمة هذه الأشغال ستكون في سنة 2016، لتبدأ رحلات يومية لزوار تشدهم عن زيارة المنطقة اليوم وعورة المسالك. 
 
“صحيح، هذا التغيير جلي، ولا يمكننا إلا أن نصفق له، لكن..” يتوقف عبدوني نجيم، عضو اللجنة الإدارية للهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، برهة، قبل أن يشهر أرقاما ضخمة “تم صرف خمسة ملايين درهم على بناء ثلاثة مراكز جهوية، أحدها المركز الجهوي للتوثيق والتنشيط والإنتاج التربوي والمركز الجهوي للإعلام والمساعدة على التوجيه والمركز الجهوي للتقنيات التربوية، ومازالت كلها مغلقة، كما تم ضخ غلاف مالي قدر ب25 مليون درهم على المجازر الجديدة ومازالت مغلقة، وأنفقوا 236 مليون درهم على المحطة البحرية للمسافرين، لكن لوبيات النقل البحري بالناظور مازالت تعرقل منح رخص للشركات في الحسمية، لذلك لا تشتغل إلا باخرة واحدة وهي مهددة بالتوقف. وبنيت ثكنة عسكرية ب14.853 مليون درهم وتوقفت، وقيل إنها ستحول إلى شيء آخر لا نعلمه، كما بنيت 8 مراكز صحية ومازالت مغلقة، فيما يشتغل 14 مركزا صحيا بدون أطباء، مطار الشريف الإدريسي التهم 746 مليون درهم ولا يؤدي دوره”. ما يرمي إليه الفاعل الحقوقي ذاته هو أنه لا يمكن إنكار وجود مشاريع، إلا أن عدم تحريك عجلتها لا يفيد سكان المنطقة بشيء. ولا يغلق نجيم الباب على هذه الملاحظة، بل يشرعه لتدخل عبره رياح أسئلة كثيرة، حول مال عام صرف على مشاريع بعضها يحتاج إلى كشف حساب، وبعضها الآخر يحتاج إلى تدقيق حساب، وهنا يقذف الرجل بالكرة في تمريرة طويلة إلى شباك المجلس الأعلى للحسابات، “صرفوا على ساحة محمد السادس 40 مليون درهم، وهو ما نشكك فيه من خلال معاينة بسيطة للساحة وللمواد التي استخدمت فيها، وهنا نطالب بفتح تحقيق، كما هو الأمر بالنسبة إلى عدة مشاريع أخرى”. الغبار المتطاير من الأوراش المفتوحة يغلب على ذلك المنبعث من صراعات سياسية، انتقلت من مقرات الأحزاب بالرباط إلى الحسيمة التي تمد يدها لذوي القبعات الصفر، المهندسين الذين يشرفون على الأشغال في الأوراش المفتوحة هنا وهناك، وتعزف عن مصافحة الأيادي الملونة برموز الأحزاب، لذلك تجمع شهادات مواطنين من المدينة على التصفيق للأشغال، إلا أنهم يؤكدون أن انتظارهم لقطف الثمار طال “التشغيل هذا ما يهمنا، الشباب عاطل عن العمل، ويعيش عالة على الأقارب المهاجرين بالخارج” يقول شاب من المدينة يقسم نهاره بين رشف القهوة وقراءة الجرائد والنوم.
 
وبإجماع يؤكد فاعلون أن البرنامج الحكومي نجح في فك العزلة عن الريف، إلا أنه لم يحقق بعد دعم القطاعات المنتجة، كما ساهم في التنمية القروية وإنعاش المراكز الصغرى، وهو الهدف الذي رصد له غلاف مالي تجاوز 890 مليون درهم، ضمنها كهربة 161 دوارا بالإقليم، وتحسين الخدمات للسكان وتأهيل المجال الحضري.
 
الفقيه: أعيش فوبيا الجدران الإسمنتية
وحدها قوة إيمان محمد الزياني بالقضاء والقدر تجعل الرجل يتحمل القدر الهائل من الحزن، دون أن يكيل كما آخرون الاتهامات هنا وهناك، “شاء الحكيم القدير…أن يمنحني ستة أولاد، وأن يحرمني منهم، كما حرمني من أمهم، وشاء العلي القدير أن يحرمني من أولاد من الزوجة الثانية، بعد أن جربت الزواج للمرة الثانية” يقول الزياني وهو يرفع بصره إلى السماء. إلا أن هذا القدر الهائل من الصبر الذي يبديه الفقيه الزياني، الذي خسر أولاده الستة وأكبرهم كان في سن السادسة عشرة، وزوجته، يقابله أيضا قدر هائل من الخوف والرعب من المبيت تحت بيت إسمنتي، لذلك تخلى الرجل عن بناء بيت جديد بعد أن دك القديم أجساء أفراد أسرته في ليلة شاء القدر أن يقضيها في دوار آخر بسبب عمله فقيها في مسجد. البعض أورثهم الزلزال اليتم، والبعض الآخر الأمراض وأعطابا جسدية مزمنة، وبعضهم الآخر كان نصيبهم من هذا الإرث “فوبيا” السقوف والبيوت الإسمنتية

. “هذا بيتي القصديري، أصبحت أخاف من الزلازل، وأخشى أن يضرب من جديد، لذلك اخترت السكن في بيت قصديري، ربما سأتخلص من ذلك، لكن إلى ذلك الحين سأستمر في العيش هنا في هذا البيت”.  كما أحدث الزلزال شروخا وشقوقا وانهيارات في الأرض وفي البيوت، أحدثها كذلك في النفس البشرية، لذلك لم يتمكن الفقيه من تجاوز شرخ كبير فصله عن التحدث عن أبنائه لسنوات طويلة “لم أكن أجرؤ على الخوض في أي حديث تحضر فيه أسماء صغاري وزوجتي، لذلك كنت أمتنع عن المشاركة في أي كلام حولهم، لكن قبل سنوات قليلة تخلصت من هذا الخوف، وأصبحت لا أرتعب من الحديث عما وقع لأبنائي الذين قضوا جميعا تحت الحجارة، رحمهم الله، هذا قدرهم، كما هو قدري أن لا أنجب أولادا جددا، بعد محاولات في زواجي الثاني”. رغم أنه يصر على العيش في القصدير لاعتقاده أن هذه الأرض غير آمنة من الزلازل، إلا أن الفقيه يتساءل إن كان ذلك سببا مقنعا لعدم استفادته على غرار أبناء الدوار من 30 ألف درهم لإعادة الإعمار، إذ كان شقيقه المستفيد الوحيد من هذا المبلغ والذي استغله في بناء بيت جديد بعد أن تحول الأول إلى أنقاض.

 
البلوقي: لم نقدم تقريرا ماليا لأنه لم تكن لنا علاقة بالمال
ما تعده الجمعيات الحقوقية من تقارير بمناسبة الذكرى العاشرة لزلزال الحسيمة، يجتمع كله حول الملايير التي صبت في الحسيمة بعد الزلزال، ولو اختلفت هذه الجمعيات مع بعضها حول الطريقة، إلا أن تساؤلاتها جميعا التقت عند حجم الأموال التي صرفت في برامج إعادة الإعمار وبرامج إعادة التأهيل، لذلك تطالب اللجنة المحلية المتعددة الاختصاصات التي أشرفت على إعادةلاالإعمار بتقرير مالي، وهي الجمعيات نفسها التي أصبحت تطلق على اللجنة اسم “اللجنة المتعددة الاختلاسات”.  يبتسم المهندس عبد المنعم البلوقي، وهو يقلب سؤالي الاسم الساخر من اللجنة وحكاية التقرير المالي التي تتردد على كل لسان، فيقول “قبل كل ذلك يجب أن تعلموا أولا أنه مباشرة بعد الزلزال أعلنت الحكومة عن برنامج إعادة الإعمار، إلا أن السكان رفضوه لأنه كان يتضمن عدة نقائص، فتدخلنا كجمعويين ومهندسين وقدمنا مقترحا وهو توحيد المساعدات في 30 ألف درهم، وإحداث شراكة ما بين السكان والدولة والمجتمع المدني والمقاولين، على أساس بناء منزل من 40 إلى 100 متر مربع وفق تصاميم الهندسة المعمارية المحلية والبناء المضاد للزلازل، وكان دورنا هو التنسيق والإشراف العام أما المال فلم تكن لنا به أي علاقة”.
 
اقتصر دور اللجنة إذن على المصاحبة التقنية والإشراف العام والتنسيق مع لجن محلية تخلق في كل دوار من الجمعيات المحلية ومن السكان، الذين شرفوا بأنفسهم على المراقبة، “السلطات المحلية هي التي كانت توزع الإعانات المالية على السكان، وبدورها أشرفت الجمعيات المحلية على جمع هذه الأموال، للأداء للمقاولين، فيما كانت الدولة تتكلف بمصاريف نقل مواد البناء والجرافات والشاحنات، ودورنا يأتي هنا بتحديد عدد الشاحنات اللازمة والجرافات وكذا كمية مواد البناء بصفتنا مهندسين، بل أكثر من ذلك تدخلنا لدى مقاولي المنطقة لتشغيل يد عاملة من الدواوير المنكوبة، ولتخفيض أثمنة مواد البناء، والبناء، حتى يستفيد السكان بأكبر قدر ممكن”. وقال البلوقي إن 12 ألف متضرر استفادوا من هذه العملية، و”البناء تم وفق تصاميم تحترم البناء المضاد للزلازل، واستعملت فيه مواد معينة، بل إن حتى الذين بنوا منازل بعد ذلك بسنوات استخدموا التقنية نفسها، وهو ما يعني أن اللجنة ساهمت في إشاعة ثقافة البناء المضاد للزلازل في المنطقة”. وحسب البلوقي فإن اللجنة تدخلت أيضا لدى جمعيات ومنظمات دولية لتقديم مساعدات لإتمام عملية البناء عبر توفير النوافذ والأبواب وغيرها من المواد التكميلية، “لم تكن لنا أي يد في هذه العملية أيضا، إذ دائما اللجن المحلية هي التي تتكلف بكل ما هو مالي، لذلك فإن دورنا وطيلة ست سنوات من العمل التطوعي لم نلمس مال البرنامج، ولم تكن لنا به أي علاقة، عدا تحديد القيمة اللازمة لمواد البناء ولمستحقات المقاولين، فلماذا إذا يطالبوننا بتقرير مالي؟”. وفي ما يخص الحالات التي لم تستفد رغم استيفائها جميع معايير الاستفادة، قال البلوقي إن اللجنة اعتمدت على اللوائح الرسمية، ولم يكن من حقها التدخل في باقي الحالات التي لم يحصيها المختبر العمومي للدراسات والتجارب، “ورغم ذلك ساعدنا بعضها بشكل شخصي، وليس ضمن برنامج الإعمار، إذ تدخلنا لدى جمعيات أجنبية لإشاعة الاستفادة على أكبر قدر ممكن، ولكن رغم ذلك ظهرت مشاكل العائلات المركبة، وحالات أخرى في مناطق نائية كما هو الحال بالنسبة إلى عشر حالات اكتشفناها أخيرا في دوار إكلثومن، وسنساعدهم على البناء”. وقال البلوقي إنه لا يمكن اليوم فتح أي ملف، “إذا فتحت السلطة أي ملف فإنه ستعبر من هذا الباب المشاكل نفسها التي اعترضت تنفيذ المشروع في بدايته، من قبيل مشكل العائلات المركبة والمغاربة المقيمين في الخارج وغيرها من الحالات”.