زنا المحارم بين التجريم والتحريم

الحسين أمزريني 

 
استأذنك سيدي المشرع واستأذنك سيدي المفتي كما استأذن نفسي لان هذه ليست مهنتي وإنما مهمتي .فربما سأكون مخطأ أو مقصرا في حق هذا الموضوع الشائك 
والسبب يعود إلي و إليكما. ربما سأكون متطفلا على ميدانكما لكن هذا ناتج عن طول انتظاركما وربما ستكونان بريئان من التهم التي سأوجه لكما .كل هذا من اجلنا وأجلكما 
مقدمة تقودنا للخوض في الحديث عن فيروس نخر المجتمع الإسلامي و العربي عامة ،والمغربي خاصة .هذا الفيروس الذي تكاثر وتناسل في الآونة الأخيرة ولا يمر يوما واحدا دون جعله مادة دسمة في وسائل الإعلام الوطنية .هذا الفيروس الأخطر من الخطر اختير له اسم معاصر وسموه بزنا المحارم . وما كان أن يكون لو خرج الراسخون في العلم عن صمتهم بتنظيم ندوات، ومحاضرات مكثفة ،في المدن والبوادي ،في الشوارع والمقاهي ،في المدارس والنوادي ،في الحانات والمساجد ،في السر والعلن 
زنا المحارم يجرمها المشرع الغربي قبل المغربي .فعلى سبيل المثال لا الحصر. المشرع الانجليزي اصدر قانون جنائي سنة1908 
والذي لم يقتصر على بريطانيا، بل امتد إلى أغلبية الدول التي كانت تابعة لها فأصبحت تحرم العلاقات الجنسية التي تحدث بين الأقارب المقربين مثل الأب وابنته والأم وابنها والأخ وأخته. 
ففيما يتعلق بالعقوبات التي توقع على الجاني، فإن القانون الإنجليزي يجعل الحد الأقصى للعقوبة التي توقع على من يحاول إجراء اتصال جنسي بإحدى محارمه الحبس سنتين، أما إذا كانت الفتاة التي جرت معها المحاولة دون الثالثة عشرة من عمرها، فإن الحد الأقصى للعقوبة التي توقع على من يحاول ذلك هو السجن سبع سنوات، وفي تعديل سنة 1956 أصبح القانون الجنائي البريطاني يعاقب كل أنثى جاوزت السادسة عشرة من عمرها وسمحت لرجل من محارمها بإجراء اتصال جنسي معها وفضلا عما تقدم، فإن هذا القانون ينص في القسم الثامن والثلاثين منه على انه إذا أدين الرجل في جريمة الزنا بالمحارم مع بنت سنها دون الواحد والعشرين (أو أدين بمحاولة ارتكاب الجريمة) فإن المحكمة تحكم بتجريده من كل سلطاته أو ولايته عليها. 
اما المشرع الالماني فقد اشار اليها في المادة 173من قانون العقوبات 
 
أ- كل من ارتكب فعل مع أحد أصوله الصليبيين على عمود النسب وإن علوا يعاقب بالحبس حتى ثلاث سنوات أو بالغرامة. 
ب- كل من ارتكب فعل الوطء مع أحد أصوله الصليبيين على عمود النسب وغن علوا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن السنتين أو بالغرامة وتسري هذه الأحكام ولو انقضت صلة القرابة، كما تسري هذه القواعد أيضا على أفعال الوطء المرتكبة بين الإخوة الأشقاء على أحدهما الآخر. 
ج- لا تسري الأحكام السابقة على الفروع والإخوة الذين لم يبلغوا بعد الثامنة عشرة وقت الفعل. 
 
بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي نجده لا يتحدث عن جريمة اسمها زنا المحارم، كل ما هنالك أنه اعتبر من خلال بعض النصوص صفة “أصل الطفل الضحية” ظرفا من ظروف التشديد في بعض الجرائم الواقعة على القاصر، كما هو الشأن بالنسبة لجرائم هتك العرض والاغتصاب… 
وحقيقة أن تشديد المشرع المغربي لعقوبة الجاني باعتباره أصلا للضحية في هذه الجرائم، لم يهدف من ورائه حماية أواصر القرابة وحماية العلاقات الخاصة التي تربط بين أفراد الأسرة والتي قد تسبب الصلات الجنسية بين أفرادها إلى انهيارها وإنما كان الهدف من هذا التشدد هو زجر الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال من قبل أصولهم حماية للطفل نظرا لضعفه البدني والنفسي من جهة –كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ولإخلالهم بالثقة التي وضعت فيهم اتجاه الطفل من جهة ثانية. 
وما يؤكد صحة هذا القول هو أن المشرع لم يأخذ بعين الاعتبار علاقة القرابة بين الجناة في جريمة الفساد حيث ينص الفصل 490 ق.ج ” بأن كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة..” ولم تتم الإشارة في أي مقتضى تابع لهذا الفصل إلى تشديد عقوبة الجناة إذا كانت تربطهم علاقة قرابة، الأمر الذي يظهر بشكل واضح غياب حماية أواصر القرابة في القانون الجنائي المغربي من جريمة فضيعة تستهجنها الأخلاق. 
ولسد هذه الثغرات، فإنه على المشرع المغربي أن يضع نصا خاصا يجرم الصلات الجنسية بين الأقارب وأن يضع تسمية خاصة لهذه الجريمة، لذلك فإنه في تقديري يجب التوسع في مدلول الفعل الذي يقوم به زنا المحارم على نحو يحقق العلة من العقاب عليه، ومن ناحية أخرى، فإذا كانت علة التجريم هي حماية التناسل والوقاية من الأمراض الوراثية، فإن ذلك لن يتحقق ما دام نطاق القرابة محصور جدا لا يتجاوز أصول الطفل، لذا يجب على المشرع أن يجرم كل العلاقات المحرمية في هذه الجريمة وأن يحدد بدقة من هم المحارم، لأن نصوص القانون الجنائي يجب أن تكون محددة بدقة ولا يكفي تحديد لفظ عام مثل كون الشريك في الصلة الجنسية محرما بل يجب أن يتكفل التشريع ببيان حدود هذه الصلة المحرمية ونطاقها بوضوح، كما يجب على المشرع أن يفرد لهذه الجريمة عقوبات رادعة بالنظر إلى جسامة الأخطار المترتبة عنها سواء بالنسبة للفرد الأسرة أو المجتمع. 
كما يجب على المشرع المغربي أن يضع نصب عينيه قدسية أواصر القرابة التي يجب حمايتها من كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زعزعتها وألا يحذو حذو بعض التشريعات النفعية التي حرمت العلاقات الجنسية بين المحارم ليس لقدسية أواصر القرابة وإنما لحماية أطراف ضعيفة فقط كالأطفال أو في حالة استعمال العنف أو الإكراه، أما إذا وقع الاتصال بين شخصين بالغين برضاهما، فإنه لا عقاب في هذه الحالة ما دام الاتصال خال من أي إكراه أو عنف وهذا ما أكدته لجنة مراجعة القانون الجنائي في الولايات المتحدة الأمريكية قائلة، “بأن القانون الجنائي يجب أن يقتصر على تحقيق أهدافه فحسب وان يبحث عن الوسائل الفعالة لتحقيقها وأن الصلات والأفعال الجنسية مهما كانت طبيعتها والتي تقع بالرضاء بين بالغين ليست محلا لتدخل القانون الجنائي مهما كانت أفعالا بغيضة أو مثيرة للاستهجان الأخلاقي وتشكل خطيئة أخلاقية وذلك ما لم ترتكب علنا وأن زنا المحارم بين الأخ وشقيقته البالغين بالرضا يجب أن يخرج من حيز التجريم، وأنه لا يوجد سبب جدير بالاعتبار يدعو إلى تدخل القانون في مثل هذه العلاقات فضلا عن نذرتها، فإنه لا تأثير لها على البنيان الأخلاقي للمجتمع ولا تنطوي على تهديد لنظام الأسرة أو إحداث ضرر بالغير ولا تتضمن كذلك أي عنصر من عناصر الاستغلال، بين طرفيها” وعلى عكس ما انتهت إليه اللجنة من إباحة زنا المحارم بين الأب وابنته فتقول: “إن غالبية أعضاء اللجنة شعر أن زنا المحارم الواقع بين الأب وابنته يتعين أن يبقى في نطاق التحريم والسبب في ذلك هو غلبة الاعتبار الأخلاقي على الاعتبار القانوني والعملي للغريزة وعللت اللجنة هذه التفرقة “بأن الابنة المجني عليها سيصيبها ضرر معنوي محتمل من فعل الأب، وأن هذا الفعل ينطوي على معنى الإفساد والاستغلال وأن المجني عليه تكون في سن تجعلها عرضة للتأثر وأن الأب يكون لديه السلطة في الأسرة 
ولاشك بأنه حتى من منظور التشريعات النفعية التي تحمي الممارسات الجنسية غير المشروعة، فإن زنا المحارم يجد سنده من التجريم لأنه يضر بمصالح العائلة ومن ثم فإنه يلحق بها أضرار بليغة كما يمس المجتمع بدوره بالإضافة إلى إضراره بالنسل وتسببه في العديد من الأمراض الوراثية، كما أنه ينطوي على استغلال جنسي لصغار السن، ولذلك نصت كثير من القوانين التي تبنت النفعية في تشريعاتها على تجريمه فجعلته بذلك استثناء من مبدأ الحرية الجنسية. 
وفي هذا الصدد يمكن القول بأنه لا يوجد أي تبرير علمي يمكن أن يستند عليه المشرع المغربي لعدم عقابه على زنا المحارم، فإذا كانت العديد من القوانين الغربية التي تأخذ بمبدأ الحرية الجنسية كأصل لها في مجال العرض قد جرمته وعاقبت عليه كالقانون الأنجليزي والقانون الألماني والسويسري. فهل يكون المشرع المغربي إذن قد تبنى مبدأ الحرية الجنسية على نحو يفوق ما أخذت به هذه القوانين؟ أم انه لم ير في زنا المحارم فعلا يستوجب العقاب؟ وإذا كان المشرع المغربي قد جرم كثيرا من الأفعال غير المتصلة بالعرض وهي بمعيار الضرر الاجتماعي تقل كثيرا في أهميتها عن زنا المحارم، فهل رأى الشارع المغربي أن الضرر الناجم عن زنا المحارم لا يستهل عقابا؟ 
لذا يجب على المشرع المغربي أن يتدخل في أقرب الأوقات لتدارك هذه الثغرة ولإقرار حماية خاصة للطفل من الاعتداءات الجنسية المدمرة التي قد يتعرض لها داخل محيطه الأسري خاصة وأن الواقع يعكس في بعض الحالات تردي العلاقات الأسرية بسبب انتشار بعض أشكال الإساءة الجنسية للأطفال داخل المحيط الأسري، فحسب الإحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل، فإن 204 من بين 491 . 013 طفل معنف تعرضوا للاستغلال الجنسي من طرف أشخاص كبار من بينهم أقرباؤهم في الفترة الممتدة بين دجنبر 2000 وشتنبر 2003. 
فهذا كله يدخل في اطار التجريم اما فيما يخص التحريم 
 
فقد ذهب بعض العلماء إلى أن من زنى بمحرم من محارمه فيقتل، سواء أكان محصنا أم لا، تغليظا له في العقوبة، وإن كان جمهور الفقهاء على أن عقوبة زنى المحارم 
 
ولهذا قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب: (الجواب الكافي): 
 
قد اتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين، فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إلى أن حده حد الزاني وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال.أهـ 
 
وإن كانت هذه تدابير وقائية تحمي المجتمع من جريمة “زنا المحارم”، فإن الرقابة الفردية التي مردها أن الإنسان عبد لله، سيحاسبه عن كل صغيرة وكبيرة، لهي خير كفيل للوقوف عند حدود الله، وإن الالتزام والسير في طريق الله تعالى والسعي لابتغاء مرضاته، والطمع في جنته، لتجعل المرء أبعد ما يكون هذه الطريق، وإن كان له شهوة، ففي المباح مرتع لمن شاء، أما الحيد عن الفطرة السوية، فينزل بها المرء نفسه منزلة البهائم بل هم أضل، أولئك هم الخاسرون.