طيش الفكر العلماني .. عصيد نموذجا

عبدالرحيم الجعواني 
 
بعد شرح الاستاذ أحمد عصيد السطحي ل”أسلم تسلم” واعتبارها تحمل في طياتها “رسالة ارهابية” كان من المتوقع ان يهتز الرأي العام ويشجب مثل هذا النوع من المس بمقدسات الامة المغربية والإسلامية جمعاء , و طبعا كانت هناك اصوات اخرى أكدت انها تتضامن مع “المفكر” احمد عصيد , وقد نجحت “التقوليبة الاعلامية” الى حد كبير في تحويل المتهم للرسالة المحمدية بالارهابية الى بطل وضحية رأي, وحشر من عادى فكره وتصريحه في زمرة “خفافيش الظلام” التي تعادي الانسانية والاممية والحقوق الكونية . 
أكيد أن عصيد ادرك خطأ ما أقترف لسانه لذلك كان من المنتظر ان يخرج ليبرر فعلته , غير ان ما فعله لم يكن الا “عذرا أقبح من زلة”,وقد دافع مجموعة من الغيورين على دينهم ونبيهم عن طريق مجموعة من المقالات ترفع اللبس و توضح مكامن الخلل في طرح عصيد وفهمه ل “أسلم تسلم”. 
 
وهنا لن ارتهن بما ذهب اليه عصيد بقدر ما سأحاول ان اوضح منطلقات طيش عصيد ودوافعه ونظرته للدين الاسلامي 
 
هذا هو فكر عصيد: 
 
لا يخفى على أحد أن عصيد من ذوي التوجه العلماني , ونعرف ان العلمانية كمفهوم تعني سيادة العقل وحده ولا مكان للغيبات والميتافيزيقيات في المنطق العقلاني , أي ان العلمانية تعتبر الدين قائما على خرافة تنتمي لعصر كانت فيه السيادة للخرافة واللاعقل, 
قد يقول البعض لكن عصيد مسلم ولم يسبق ان اعلن الحاده او اي شيء مما ذكر في التعريف أعلاه , سنقول له أن كبار العلمانيين يقولون أنه يستحيل وجود علماني يؤمن ايمانا حقيقيا بالدين أو بالغيب أو المقدسات الا اذا لم يكن علمانيا حقيقيا , أو يفهم العلمانية فهما ساذجا طفوليا وهكذا سيكون الاستاذ عصيد أما علمانيا “مزورا” أو غير ضابط للتوجه العلماني الذي يدعي أنه أحد رجالاته بالمغرب أو علماني حقيقي ويمارس التقية . 
 
هذا وعلينا ان لا ننسى ان الخطاب العلماني في مجمله يقوم على ارض الحادية لا تؤمن بوجود اله ولا تعترف بدين ويتظاهر بكونه لا مشكلة له مع الدين وانه يكفل حرية الاعتقاد للجميع , وذلك عن طريق ممارسة نوع من التمويه الاديولوجي و التزييف الاعلامي . 
 
اذا فعصيد حينما تحدث عن حرية المعتقد كان يسبح في الفلك الذي من المفروض ان يسبح فيه كل علماني , ومن العادي جدا ان يدافع عن هذا “الحق الكوني” وينتقد بشدة فتوة الردة لكونها لا تتماشى مع مقتضيات المواثيق الدولية لحقوق الانسان وخصوصا المادة 16 منها ضاربا بذلك خصوصيات المجتمع المغربي المسلم ومعتقداته عرض الحائط , لكن ما يجب ان يفهمه كل عاقل هو ان صاحب الدار في المجتمعات المسلمة هو الاسلام ومن الغبي جدا ان نخصص للعلمانية ركنا داخل هذه الدار ونسمح لها ان تحول حضارتنا وديننا الذي يحكم مفاصل حياتنا الى مجرد مسألة شخصية يكفر بها من شاء ويؤمن بها من شاء . 
 
الاستاذ عصيد وككل علماني , يخرج لنا بمظهر الباحث النزيه و الناقد البريء المتجرد من كل ايديولوجيا او افكار مسبقة , ذو فكر متنور وحداثي وكل من يعارض فعليه ان يستعد لسيل من التهم المجانية التي ستكال له , غير ان الحقيقة التي لا يرغب الكثيرون في سماعها هو ان عصيد ومن هم على شاكلته ليسوا الا مثقفين تسممت افكارهم بالدراسات الاستشراقية الغربية الى درجة ان تحولت قناعتهم واختياراتهم منسجمة تماما مع الطرح الغربي والبحث الاستشراقي وبهذا تصبح لهم مواقف متطرفة من الدين والتدين يغلفونها بستار البحث العلمي او النقد التاريخي . 
 
سبق للاستاذ عصيد أن قال بالحرف “أنه لم يوجد قط مثقف علماني واحد كتب ليمس بالدين الاسلامي في جوهره , أو بالحق في الايمان والتدين ,وانما التوجه العام هو نقد أشكال القراءة والفهم المنحرفة للدين , وانواع توظيفه السياسية المغرضة ” , قد نتفق مع عصيد ونحكم له بأن نيته حسنة وان هدفه هو ان يرينا كيف نقرأ الدين قراءة غير منحرفة غير اننا يجب ان نتساءل كيف يمكن لعصيد مع احتراماتنا التامة له وهو الذي لم يتخصص في دراسته لأي مجال اسلامي كيف يمكن له ان يرينا او يجعلنا نقرأ القراءة الغير منحرفة للدين , وهنا لابد ان اذكر كلاما مهما للاستاذ هشام جعيط أحد رفاق درب أحمد عصيد قال فيه : “ان كل اصناف النخب في العالم العربي بعيدة كل البعد ليس فقط عن التيارات الاسلامية بل عن الاسلام نفسه ” , اذا فهذا العلماني يشهد على ان العلماني عصيد بعيد كل البعد عن الاسلام والتيارات الاسلامية والسؤال الذي يجب ان يطرح هو : اي قراءة سيقرأها عصيد لأمر هو بعيد عنه ؟؟؟؟ 
 
عصيد مرة اخرى يذهب الى ما ذهب اليه علماء الاجتماع الغربيين ويؤكد “أن الدين مرحلة من مراحل تطور العقل البشري ,بدأت أسطورة ثم تعددت الآلهة ثم التوحيد ثم العقل العلماني المعاصر” وبهذا يكون الاستاذ قد وقع في تناقض مفضوح مع تصريحه السابق الذي أكد فيه انه وكل مثقف علماني لا يمس الدين في جوهره . 
 
اختم هذه الفقرة بما قاله رفيق درب عصيد وهو العلماني علي حرب الذي قال في كتابه “الممنوع والممتنع” : “فالنقد يجب ان يتجه الى تفكيك تلك الترسانة التراثية التي فقدت فاعليتها في الفكر والعمل , ولهذا ينبغي للنقد ان يشمل كل شيء الاصول والفروع , وانظمة المعارف ومنظومات العقائد , الشروحات والتفاسير” 
 
ما يسعى اليه كل عصيد 
 
يسعى كل عصيد (أي كل علماني) الى تفكيك الدين الاسلامي مع تأكيدهم على ان هذا التفكيك ليس عملا سلبيا ولا تخريبيا , بل هو عمل ابداعي خلاق _يا سلام متى كان تفكيك التراث والدين عملا ابداعيا_ لايمكن لأي ثقافة ان تنهض دونه , وغرضهم من كل هذا كما يقولون هو التوصل الى فهم عقلاني حر شفاف ونزيه لدين الاسلام , طبعا “سنتبع الكذاب حتى لباب الدار ” وسنجد ان الفهم العقلاني يستلزم قطعا تجاوز واقصاء كل المفاهيم الدينية ذات البعد الميتافيزيقي الغيبي من قبيل : الله , الملائكة , الشيطان , الجنون , الجنة , النار , منكر ونكير , وكذا تجاوز كل التشريعات الاسلامية المختلفة من حلال وحرام لان كل هذا كان سابقا مجرد استجابة لظروف معينة تجاوزها التطور الطبيعي للعقل البشري . 
 
اذا فكل عصيد يسعى الى ان تأخذ العلمانية مكان الدين داخل المجتمع وان يتحول هذا الدين الى نوع من الفولكلور تماما كرقصات أحيدوس وأهازيج غياتة وطقطوقة الشمال والقفطان الرباطي , يقول أركون موجها صغار العلمانيين _وهو العلماني الكبير_ في كتابه قضايا في نقد العقل الديني “باختصار ينبغي الدخول في صلب المشاكل الحقيقية , وعدم تحاشيها بحجة مراعاة الشعب او الجماهير او العامة …الخ , ينبغي ان يصل النقد الى جدور الاشياء لا ان يكتفي بدغدغتها او مسها مسا خفيفا” في هذا النص يفضح أركون رفاقه دون وعي خصوصا العلمانيين المغاربة وعلى رأسهم عصيد والذين من أجل اديولوجياتهم يتمسحون بالدين نزولا عند رغبة الجماهير وهذا يعتبر موقفا انتهازيا رجعيا يهدف الى التراجع خطوة الى الخلف من أجل خطوتين الى الامام . 
 
لا تلوموا عصيد الفرنسي 
 
ما قاله الاستاذ عصيد حول مقررات التربية الاسلامية بالمغرب لم يكن رأيا حرا له بل هو استيراد لفكرة فرنسية كانت قد صيغت كتوجيهات لوزارة التعليم الفرنسية في اطار تعميم التعليم الصادر يوم 28 مارس 1882 والذي نص على ما يلي : ” يجب ان لا نذكر للطفل البالغ من العمر سبع سنوات شيئا عن الله , ليشعر هذا الطفل من تلقاء نفسه على امتداد الساعات الست التي يتلقاها يوميا ان الله غير موجود اصلا , او اننا في احسن الاحوال لم نعد في حاجة اليه ” , اذا فكل افكار عصيد فرنكفونية بامتياز ولا ادل عليها من كونه طالب بكتابة الامازيغية بالحرف اللاتيني عوض العربي , وفكره كله مستورد لكنه غير قابل للاستهلاك في بلد دين شعبه الاسلام. 
 
بني علمان و الاسلاميين 
 
مؤخرا وبعد ان وصل الاسلاميون الى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع في بلدان الربيع الديموقراطي , خرجت لنا التيارات العلمانية منددة ومحرضة ضد هذه الاخيرة لأنها _أي الحركات الاسلامية _ تسعى لاقامة دولة دينية عكس المدنية , ورغم ان الحركات الاسلامية أكدت في اوراقها وفي اكثر من مرة انها ضد الدولة الدينية التي تحكم بالحق الالهي الا ان العلمانيين أصروا على هذا الاتهام والعقل يقتضي ان سبب هذا الاصرار العلماني اما ان الاسلاميين يدعون لدولة دينية (وهذا ما فنده الاسلاميون) واما ان دولة الخلافة الاسلامية كانت دولة دينية تحكم بالحق الالهي (وهذا ما فنده التاريخ) , ولا يجب ان نتعجب من هذا الاصرار اذا علمنا ان العلمانيين المتنورين يسقطون التاريخ الغربي برمته وتفاصيله وابعاده على المجتمع الاسلامي وهذا ما جعلهم يقعون في مغالطات مفضوحة ومهزلة حقيقية اذ أنهم اعتمدوا على الصورة النمطية في رؤيتهم للدين الاسلامي وعمموا التاريخ الاوروبي الغربي على كل الامم والحضارات وفي هذا اجحاف كبير في حق الدين الاسلامي وفي مجموعة من الحضارات الاخرى . 
 
الكيل بمكيالين امر متداول عند بني علمان حيث انهم يقدحون وينتقدون الاسلام وان عارضهم أحد يتهمونه بمصادرته لرأيهم , وكأنهم يقولون لنا أن أفكارهم يجب ان تقبل ولا يطعن فيها أبدا , وقد قال هشام صالح في كتابه الاسلام والانغلاق اللاهوتي “هذا يعني ان التطور ممكن في الشؤون العقدية وعلم اللاهوت ,وبالتالي أرجوكم كفى عن اتهامنا بالمس بثوابت الامة “. 
 
خلاصة القول 
لا يجب ان يعتقد المسلمون والاسلاميون ان معركة العلمانيين على النصوص ستتوقف ,بل نحن في بداية الطريق ولابد ان ننتظر تصريحات اكثر جرأة من عصيد وغيره من من يمثلون هذا التوجه العلماني ولا شك ان هذه المعركة في الاساس معركة ضد القيم.