عرض فيلم حول عبد الكريم وحرب الريف بالناظور

في البدء كنت متحمسا وكان لدي أمل كبير، وكنت أسعى مثل والدي إلى إقناع الريفيين بمصلحتهم في استقبال الإسبان، حتى نحصل منهم على التقدم والتنمية. 

بذلت كل ما في وسعي طيلة سنوات لإقناع الإسبان بتغيير سلوكهم إزاء الريف، إلا أنهم قضوا الوقت في تحريض القبائل ضد بعضها البعض، وبما أنني فقدت أي أمل فيهم، أعربت عن تأييدي لاستقلال الريف غير المحتل، فسجنوني طيلة 11 شهرا بتهمة وقحة مفادها أنني أتآمر مع ألمانيا. 

توفي أبي إثر تسميمه من طرف الإسبان بدون شك، وبما أن قادة بني ورياغل جاءوا كما جرت العادة لتعزيتي، خضت معهم مفاوضات حول العلاقة بين الإسبان والريفيين، وإذا كان الريفيون ميالون إلى التصارع في ظروف اللامبالاة، فإنهم سرعان ما يتوحدون حين يشعرون بخطر يهدد حريتهم. 

عملت ما في وسعي لتفادي هذه المجزرة والله شاهد علي، لقد اقترفها ريفيون يعيشون في فوضى مطلقة، لم يكونوا يمتثلون لأوامري، وفيما يخص هزيمة أنوال غنمنا منها 150 مدفعا و10 آلاف بندقية وخزانا هائلا من القنابل وملايين الخراطيش وسيارات وشاحنات وأدوية ومعدات للمعسكرات، ولفسح المجال للمفاوضات عملت على أن لا أحتل مليلية، ومن بين مئات المعتقلين أطلقت سراح النساء والأطفال. 
خلال بضعة شهور، برهنا على أن شعبا صغيرا بإمكانه أن يتحكم في مصيره، كنت قد وضعت أسس دولة وبدأت في تحديث حياة القبائل وتوحيدها، كما أنشأت عدالة وجيشا ومدرسة، وشرعت في إحصاء السكان بل وقد نجحت في إقناع الريفيين بأداء ضريبة لتمويل مصاريفنا، وبينما قلت للاسبان بان الباب مفتوحة في وجههم وبأنني مستعد للتفاوض حول قضية الأسرى على قدم المساواة، قامت الحكومة الاسبانية بحملة عنيفة ضدي. 

اعتقد الإسبان أن أوروبا كلفتهم بإصلاح الريف وإدخاله إلى الحضارة، لكن الريفيين تساءلوا: هل الإصلاح يتمثل في تهديم المنازل باستعمال أسلحة ممنوعة؟ حان الوقت أن تقوم أوروبا التي أعلنت في القرن العشرين عن إرادتها للدفاع عن الحضارة بنقل مبادئها النبيلة من النظرية إلى التطبيق. 

لقد عملوا على تقديمي في صورة متمرد دموي وماكر، بينما كان الأمر بالنسبة لنا يتعلق فقط بالدفاع عن حقوقنا بإبراز مشروعية قضيتنا، وقد أخبرنا بذلك إسبانيا حتى بعد أحداث أنوال، وفعلنا نفس الشيء مع فرنسا ومع المارشال ليوطي والسلطان، وكذا مع بريطانيا ولدى عصبة الأمم، لم يرغب أحد في السماع بأننا نريد السلام والنظام والتجارة والتحالف مع العالم برمته، لكن مادام الإسبان يرغبون في استئصالنا، من بإمكانه أن يلومنا بدفاعنا عن حريتنا وديننا.

بينما كنا نناضل منذ 16 سنة من أجل حريتنا، وبينما تبين أن اسبانيا عاجزة على إخضاعنا، بسبب رفض شعبها للحرب من جهة ولعدم كفاءة قادتها من جهة أخرى، هاجمتنا فرنسا واسبانيا على كل الجبهات، وستسحقنا بفضل نيران مدافعها المتكررة. 

هل هناك بشاعة أكبر من التعنت في إلحاق الضرر بالضعفاء وأكثر الناس بؤسا، لم يسمحوا لجرحانا بتلقي العلاج والتخفيف من آلامهم، هذا فعل غير إنساني، فحتى الحيوانات لا تفعل ذلك. 
إذا ارتكبت أخطاء فأنا آسف، من لا يتأسف عن أخطائه؟ أنا متيقن لو كان لدينا الوقت لأصبحنا أمة عظيمة للرجال الأحرار، نضالنا أعطى للريفيين أنفة وأملا وثقة بالنفس، لن تقوى أية هزيمة على محوها، إن طموح شعبنا للحرية وتقرير المصير، سيتعدى قوة مضطهدينا، لقد أتيت قبل الأوان، وكنت متيقنا أن آمالنا ستتحقق يوما ما، هذه الحرب فرضها علينا الأجنبي، لقد هزمنا، لكن أنتم أيضا انهزمتم. 
عن فيلم «عبد الكريم وحرب الريف»، لمخرجه الفرنسي دانييل كلينغ 


كلمة جمعية أمزيان 


كيف يمكن إعادة بناء وترميم الذاكرة المشتركة؟ وما هي سبل ربط الحاضر بالماضي لاستشراق المستقبل؟ 
كيف يمكن للسينما أن تساهم في التنقيب والبحث في ثنايا الماضي والتاريخ الوطني الحافل بالأحداث والمحطات والرموز الوطنية؟ وإلى أي حد نستطيع تضميد جراح الأمس ومفارقات اليوم على نحو يؤسس لمداخل ذاكرة قوية انطلاقا من التاريخ المنسي والمغيب؟ 
لقد قال المؤرخ الفرنسي روني غاليسو بأن إنتاج الفيلم الوثائقي "عبد الكريم وحرب الريف"، يندرج في إطار محاولة لإعادة كتابة التاريخ من منطلق مضاد للكولونيالية، وإعادة النظر في بعض الوقائع التي قدمت على غير ما عليه. 
ويسلط الفيلم الضوء على عبد الكريم الخطابي، و"يقرب المشاهد من شخصية هذا الزعيم من خلال عناصر تمنح هذا الفيلم أهمية، أبرزها الحديث عن جوانب جديدة من شخصية هذا الزعيم"، مشيرا إلى أن ثلاثة عناصر تمنح الفيلم أهمية قصوى وهي "كلام عبد الكريم الخطابي، والصور والموسيقى الجميلة". 
ويتحدث فيلم "عبد الكريم وحرب الريف"، الذي أخرجه الفرنسي دانييل كلينغ، عن هذه الحرب التي جرت ما بين 1920 و1926 لصد تمرد قبيلة يتزعمها عبد الكريم الخطابي، وهي الحرب التي شارك فيها مئات الآلاف من المحاربين بإمكانيات هامة. 

وإذا كانت الكتابات التاريخية قد عالجت في بعض مستوياتها هذه الأحداث من منظورها الخاص، فإن فيلم "عبد الكريم وحرب الريف" لمخرجه دانييل كلينغ حاول أن يسترجع هذه الأحداث و"الحكايات المنسية" ومعالجتها من منظور آخر ومغاير لكنه يتوخى في جوهره إتاحة فرصة ممكنة "للأجيال القادمة قصد معرفة هذا التاريخ ويتيح أمامهم إمكانية" إكمال زوايا الرؤية إلى هذه الحقبة. 

جمعية أمزيان