على من تضحك أمانديس ؟

بقلم: خالد الرابطي

سبق و أن قررت إراحة قلمي بضعة أسابيع من الكتابة عن أمانديس و مسيرتها المشحونة بالصراعات مع هذا الجانب و ذاك ، و الحقيقة أنني حاولت جاهدا القيام بذلك رغم الأهمية القصوى التي يكتسيها الموضوع ، خصوصا في الآونة الأخيرة، بعدما أصبح لساكنة المدينة كغيرهم من سكان المغرب منبرا حرا اسمه الشارع، مؤطرا من حركة شبابية وطنية اسمها 20 فبراير، يعلو فيه صوتها، و يُمَرَّرُ عبره خطابها مرورا سلسا دون حسيب أو وسيط، و بعدما وصل الصراع إلى ذروته بين الشركة المعنية و عمدة المدينة السابق، و الذي ربما سيأخذ منحى آخر في قابل الأيام. لكن بلاغ الثغرات الأربع الذي صدر مؤخرا عن مجموعة فيوليا البيئة استفزني كثيرا، وجعل أناملي مصرة على تسطير ما يختلج صدري من حنق تجاه المغالطات و تزييف الحقائق التي يروم – البلاغ – من ورائها محاولة إخماد فتيل مناهضة الاستغلال البشع الذي أشعله سكان مدينتي طنجة و تطوان منذ أزيد من ست أو سبع سنوات مضت، بعدما تأكد للكل أن الشركة تستغل مشروعيتها كمؤسسة مفوض لها تدبير قطاع حيوي لاستنزاف جيوب العباد، تحت غطاء تحسين جودة الخدمات المقدمة للزبناء.

و في قراءتنا للبلاغ، يتجلي الضحك على الأذقان الذي تمارسه الشركة، حيث اعتبر أن التعريفات المطبقة في طنجة هي في حدود المتوسط على الصعيد الوطني، ما يعني أن هناك مدنا مغربية من صنف خمسة نجوم، تعريفات الأسعار بها أغلى، وأظن أن غباءنا لم يصل بعد إلى درجة  تصديق ذلك؟ بل أكثر من هذا، قدم البلاغ أرقاما لست أدري كيف تم اعتمادها، و نحن أدرى بمدينتنا و سكانها و ظروفهم المعيشية، فحينما تعلن الشركة أن 80 % من المنازل تؤدي مبلغا يقل عن90 درهما شهريا مقابل استهلاك مادة الماء، ومنهم 30 % يؤدون أقل من 22 درهما، و أن  75 % من زبنائها في طنجة يؤدون مبلغا بمعدل يقل عن 194 درهما شهريا مقابل استهلاكهم لمادة الكهرباء، منهم  43 % يؤدون أقل من 96 درهما، فهذا يعني أمرا من اثنان، إما أنها تتحدث عن مدينة أو بالأحرى قرية غير طنجة، و إما أن البلاغ أعد في باريس، و أن صاحبه لا يعلم شيئا عما يجري هنا، و ربما اختلط عليه الأمر بين الدرهم الإماراتي و الدرهم المغربي.
 

يتحدث البلاغ عن الاستهلاك المنزلي، وهذا يعني أنه استثنى المحلات التجارية و المهنية والمصانع التي نسبة استهلاكها لمادتي الماء و الكهرباء متفاوتة، كما تطرق إلى نسبتي 80 % و 75 % ،  فإذا اعتبرنا أن 20 %  المتبقية تهم الفيلات و الإقامات الفخمة، فهذا يعني أن لا أحدا في طنجة يؤدي أكثر من المبالغ التي ذكرت، وهي إذاً مغالطة ما بعدها مغالطة، و لا يسعني هنا إلا أن أقول”الله يلعن اللي ما يحشم” و بودي أن ينوب عني من هو ضالع في اللغة الفرنسية لترجمة الجملة حتى يفهمها المفرنسون من أهل أمانديس.

كما يتحدث البلاغ عن سقي المناطق الخضراء التي لست أدري في أي جانب من المدينة هي، و عن حق الساكنة من الاستفادة من خدمة عمومية في المستوى، من أجل رفاهية الجميع عبر شراكة مبنية على مبدأ الأخذ و الأخذ (عفوا) و العطاء، و أي رفاهية تركتنا فواتير أمانديس ننعم بها؟

يظهر البلاغ و كأنه يحاول حصر الصراع القائم بين الشركة و سكان مدينة طنجة في شخص واحد، واختزال أصوات مائات الآلاف من المتضررين في صوت واحد، للتمكن من إخماد لهيب نار أُشْعلت و لن تنتهي إلا كما أراد المواطنون، و إذا كان عبد المولى المقصود به قد تبنى فكرة طرد أمانديس من طنجة تماشيا مع رغبة الشارع، سواء عندما كان على رأس قصر المدينة بصفته المسؤول الأول عن شؤون الساكنة، أو بعد مغادرته موقع المسؤولية بصفته واحدا من المواطنين، فهذا أمر يخصه هو وقناعته الشخصية،  و إذا كان الغرض من إصداره خدمة أجندة سياسية ضد أخرى في ظل الحرب الدائرة ظاهرا و خفية بين الأطراف المكون للمجلس الجماعي، فإن أبناء طنجة بمنأى عن أي أجندة، و يعرفون جيدا أين حقهم و كيف يطالبون به، و لن تنطوي عليهم أية حيلة يراد بها سلبهم صفة المناهضين لأمانديس والمنددين بإرهابها المائي و الكهربائي، و إطلاقها على شخص واحد لتوظيف المسألة و كأنها صراع شخصي و ليست قضية ساكنة بأكملها ، و هذا ما يؤكده موعد إصداره في هذه الظروف الجد مشحونة سواء على مستوى الشارع، أو على مستوى المجالس المنتخبة  . فمن يحرك من يا ترى؟