قدسية العيد ومسلخة التقاليد ( ½)

بقلم : محمد أرغـــم

لا توجد أمة من الأمم إلا ولها أعيادها الخاصة…، فالأعياد بأنواعها سواء الوطنية أو الدينية، هي، إذن، محطات تذكر، شعوب الدنيا، بتاريخها، بأمجادها، برموزها ولم لا برسلها، أنبيائها، وأبطالها….فالوطنية منها تجسد للشعوب إما مناسبات من خلالها تستحضر البطولات: كالانتصارات، تحرير الوطن أو جزء منه…، تدشين سد، أو شق جبل، أو ولادة سلطان،….
والأعياد الدينية: هي تلك الأعياد التي لها دلالات دينية، كما نجد ذلك عند البوذيين، الهندوس، اليهود، المسيحيين، والمسلمين،…،
 
    يعتبر عيد الاضحى أحد أهم أعياد المسلمين، والذي يصادف موعده، دائما، العاشر من ذي الحجة … أي بعد انتهاء حجيج بيت الله الحرام من أداء وقفة عرفة، التي هي الركن الأعظم في فريضة الحج… … وسمي بهذا الاسم نسبة إلى إتباع المسلمين لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ حيث يتقرب المسلم إلى الله من خلال ذبح صنف من أصناف الأنعام المذكورة في الكتاب والسنة: الغنم، البقر، الإبل.. ،
 
 يشكل عيد الأضحى عندنا- في المغرب- مناسبة دينية مهمة يمارس خلالها المغاربة الكثير من الطقوس ويحيون فيها عادات وتقاليد عريقة حيث تكون عملية شراء الأضاحي أحد البوابات الرئيسية لتجسيد تلك الشعيرة الدينية العظيمة التي –للأسف- تم امتزاج واختلاط: الاجتماعي بالديني والتراثي بالخرافي…فهل نحن عازمون جميعا على حفظ الشعيرة من كل ما يدنسها ويلوثها؟ من كل ما يدنس المقدس، ويلوث البيئة والمحيط….
   ولهذا العيد خصوصيته، كما هو الشأن بالنسبة لباقي أعياد المسلمين… مراسيم دينية تمثلت كما قلنا بذبح الأضاحي والذي يتم عقب صلاة العيد… وللناس في عيد الاضحى تراث وموروثات اعتادوا عليها وأخرى عادات جديدة أفرزتها تعقيدات الحياة الجديدة…وعلى رأس هذه المستجدات كل ما استجد في عالم تقنيات التواصل الحديثة ….
   ففي كل سنة، تمثل عملية شراء الأضحية “مأساة”- أقول مأساة تعمدت التضخيم، وهذا قصد مني لأن ما نراه يتنافى مع ما هو لازم شرعا وقانونا- لبعض الأسر….خاصة للتي لا تفقه شيئا في سماحة هذا الدين… عملية الاقتناء وما يتبعها تعد تكاليف إضافية لجل الأسر المغربية المعوزة، في ظل غلاء المعيشة، ارتفاع الأسعار، وكثرة مصاريف الحياة…، إنها، في المجمل، مصاريف تقتطع من القوت اليومي لهذه الأسر التي لا حول لها ولا قوة، لأن الغالبية العظمى تكلف نفسها ما لا طاقة لها به، هنا يتساءل المرء: متى كان الإسلام يكلف المؤمنين ما لا يطيقون؟ ما حكم الإسلام فيمن كلف نفسه ما لا تطيق؟ ما موقف الإسلام من مظاهر التباهي في مثل هذه المناسبات؟ مظاهر وسلوكيات، نراها ونعيشها، هي في مجملها تتنافي وتعاليم الإسلام السمحة…أين نحن إذن من الآية الكريمة الصريحة التي تقول:” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”؟ هذه الآية الكريمة لوحدها تكفينا من التكلف الظاهر، تكلف يخل بأبسط قواعد الشريعة…موقف الإسلام إذن واضح في هذه المسألة، وكل من يريد تكليف نفسه أكثر من طاقتها وقوتها، كأنما لم يرض بما شرعه الله من ألأحكام…، أحكام الأضحية على سبيل المثال… فلماذا ياترى لا يكلف الانسان نفسه صدق القول، صدق الفعل، صدق النية…؟ لماذا حين يتعلق الأمر بهذه الشعيرة تراه يمده يده ذات اليمين وذات الشمال ليشتري عجلا حنيذا، بكل مواصفاته المذكورة في الحديث: أملح، أقرن…. لكن ما إن يتعلق الأمر بما هو مفروض، ومن الدين بالضرورة، تراه يختلق ألف عذر وعذر لكي لا يؤدي تلك الفريضة على  أحسن  وجه…هل يستشعر كل من يكلف نفسه عناء شراء كبش بقرونه الطويلة خطورة ألمراء….؟ يراؤون الناس ولا يخشون الله…. !!
 
   فالأسواق بأجوائها الموبوءة، قبل العيد، تكون بحق مصيدة لمشترين، ومغنمة للبائعين، وخاصة” الشناقة”، إنه اسم على مسمى، ولا يحتاج إلى مزيد من الشرح الممل…، فالمواطن المسكين يشنق مرتين مرتين؛ فحينما يخرج من الدار تشنقه “مولاة الدار”أو “لالة مولاتي” بنصائحها المقيتة واليابسة، تؤكد وبإصرار على أنها تعشق الكبش الجميل، السمين، والمليح…، ويشنق بين يدي البائع الفض الغليظ… تنتعش، إذن، سوق الأكباش في المغرب بشكل كبير مع اقتراب حلول عيد الأضحى ، تشهد هذه الأسواق عرض الملايين من رؤوس الأغنام التي تختلف: حسب الأثمان (الجودة السمنة، …)؛ أو حسب الصنف أو النوع(الدماني والفرطاس والصردي،… )….لهذا تعيش الأحياء الشعبية، هذه الأيام اكتظاظا ملحوظا بسبب الإقبال الكثيف للمواطنين على شراء أضحية العيد الذي سيحييه المغاربة الجمعة بحول الله…..