قليل من الصمت رحمكم الله …

علي كراجي
 
أسدل الستـار عن المنتدى العالمي الثاني لحقوق الإنسان بمراكش ، وبدون إثـارة الشكوك ، فكل الذين إستجابوا لدعوة المشاركة في هذه المحطة سيشدون الرحال إلى منازلهم ، فعليو القوم سيغادرون عبر الطائرات ، وحقوقيو الدرجة الثانية سيضطرون للإنتظار طويلا أمام المحطات الطرقية والسككية لشد الرحال إلى ديارهم عبر القطار أو الحافلة ، وبمعيتهم أجندات دونوا على صفحاتها وصـفات بنـاء دولة الحق والقانون ، وهواتف ذكية توجد في مذكراتها صـور تذكارية مع أسماء معروفة ، ليتم رفعها لاحقا على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي ، وذلك في إطـار تحقيق جزء من أحلام هذه الفـئة التي تبحث فضلا عن إعجابات رواد فايسبوك و تويتر ، عن كيفية حجز مكان لها بين كبار تجار حقوق الإنسان  بالمغرب .
 
سيلتحق الجميع بمنازلهم و مقـرات جمعياتهم ، بعد أن حصـل كل واحد منهم على لقب ” حقوقي ” خلال حجهم المبرور لمدينة مراكش الحمراء وسعيهم المشكور بساحة جامع لفنا  ، سيشغلون حواسيبهم من جديد ، و يأخذون قلما وورقة للشروع في تدوين البيانات وتعميمها على أوسع نطاق ، بيانات ستحمل بين فقراتها أجمل و أجود و أرقى عبارات التضـامن مع ضحايا فيضانات الجنوب المغربي و الطفلة نادية ضحية الأستاذ الذي شهر بها على الأنترنت ….، بيانات ستمزج بأبشع جمل الإحتجاج والتنديد والإستنكار والشجب إزاء الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الأموات كما الأحياء أيضـا ، ولما لا سيعقدون إجتماعات مطولة داخل غـرف مظلمة لبحث اليات الخروج إلى الشارع قصد تنظيم وقفات بشعارات جديدة ، وسيلتقطون من جديد صورا أمام قوات التدخل العمومي لنشرها مرة أخرى على مواقع التواصل الإجتماعي و الشبكات الإخبارية الإلكترونية وعلى صـدر الجرائد والمجلات .  
 
سيعود معشـر الحقوقيين الجدد بنفس جديد ، وفي حلة مراكشية ، بعد أن تعلموا كيفية نطق مفاهيم علمية حديثة تعكس في الأصل تجارب دول إنتقلت نحو الديمقراطية ، و سيستعملون هذه المصطلحات في المغرب أيضـا ، لكن بعد إفراغها من حمولتها الحقيقية ، وسيحاولون بشتى الوسـائل إقحامها ( أي هذه المفاهيم التي تعلموها في مراكش ) في تعاليقهم عن الأحداث التي يعرفها الوطن ، لكن للمرة الألف دون تجاوز الخطوط الحمراء وفي إطار التشبث بالإستثناء الذي يجود به المخزن .
 
ليس من حقنا جميعا ، محاسبتهم أو مساءلتهم عن صمتهم إزاء ما يعرفه المغرب الغريق عفوا العميق بسبب الفيضانات ، لأن فرصة الحصول على غرف مجانية بأفخم فنادق مراكش ، وإلتهام وجبات بالقرب من كبار بلدان العالم ، تأتي مرة واحدة في الحياة ، ولا يمكن التضحية بها من أجل جثث لم تجد مرقدا لها سوى في شاحنات الأزبال .
 
لا يمكننا مساءلتهم ، لأن صفة الحقوقي في المغرب ، تكتسب عن طـريق صياغة البيانات و تنظيم الوقفات الرمزية في الأيام العالمية ، وفي عيد المرأة ، و اليوم العالمي للشغل …. ،  وهؤلاء المشـاركون في المنتدى العالمي لحقوق الإنسان، أي الحقوقيون غير الحكوميين ، تمكنوا من ذلك ، الشيئ الذي حجز لهم مقاعد بمراكش ، ومن حقهم الإستمرار على نفس الطـريق في إطار بناء أحلام جديدة ، ربما ستكون هذه المرة شبيهة بطموحات عاشها من يتقلدون مناصب داخل مؤسسات ” الحق والعدالة ” قـبل وصولهم  إلى الكراسي .
 
من حق الذين يطلقون على أنفسهم أيضا ، رواد النضال وأعداء المخزن  ، مباشرة بعد عودتهم من سـفرهم الذي جمعهم بمن كانوا يحتجون ضدهم ويطالبون برحيلهم ، وإلتقطوا صورا تذكارية بمعيتهم ، من حقهم أن يشرعوا بمجرد حط الرحال بديارهم ،في إطلاق مبادرات تروم الركوب على ماسي من لم يذكروهم قعودا ووقوفا طيلة إقامتهم بمراكش ، ما دامت حقوق الإنسان في المغرب مجرد خطابات و شعارات لتزيين واجهة الوطن و ضيعة لجني المناصب والمكاسب ، فإحذروا من إنتقادهم لأنكم ستتهمون بـالعمالة للمخزن و بمن يسعون إلى الإجهاز على مكتسباب الحركة الحقوقية ، مهما كان نوع هذه المكتسباب ذاتية أو نقدية …
 
هؤلاء الجمعويون ، المناضلون ، المحتجون ، المستنكرون ( وهذه تسميات يصلح تداولها في المغرب فقط ) ، لهم كامل الصلاحية ، للإنخراط في موضوع الدفاع الشفهي عن ضحايا الفيضانات ، وإنتقاد طريقة تعامل السلطات مع المناطق المنكوبة ، وشجب إستهتار الحكومة ، و تحميل المسؤولية  لبنكيران و الرباح و حصاد و الديوانة والجدارمية والبوليس والمخازنية والقواد والباشاوات  و و و … لهم كل الحق ما دام موضوع حقوق الإنسان بالمغرب قطاعا للإسترزاق ،، وما دامت كل الأجساد المحتجة تعاني من داء فقدان المناعة ضد الإستبداد.
 
ولأنني أكره الضجيج ، أطالب بحقي في الهدوء ، والإحتجاج بعيدا عن مسامعي  … قليل من الصمت رحمكم الله .