ماذا في الأفق، وعود أم مواعيد؟

علي الإدريسي 

يعترف جل المغاربة بأن الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية أحدثت هزة قوية في الشارع المغربي، بسب جرأة بعض وزرائها فيما اعتقدوا أنه من واجبهم القيام به وفاء لتعهداتهم الانتخابية سعيا وراء تحقيق الحكامة الجيدة، وفقا لنص الدستور الذي أوصل هذا الحزب إلى رئاسة الحكومة. وانعكست تلك الهزة أكثر في التناطح الذي ساد ويسود مختلف وسائل الإعلام المغربية وبعض نواب البرلمان وتصريحات بعض الأحزاب؛ موالاة ومعارضة في آن واحد.

سحنون أم تعريق النون؟

كشف الجدل الدائر بشان نشر قائمة بعض “مأذونيات، النقل، الصادرة عن وزارة النقل، وتقييم دفاتر تحملات القنوات التلفزية، ولو بطريقة نعم لهذه الدفاتر، ولكن… كشف أشياء كثيرة لم تكن تخطر على بال أولئك الذين كانوا لا يزالون يثقون في شعارات المعارضين لاقتصاد الريع، وشعارات الدعوة إلى محاربة الفساد وضرورة التزام الشفافية في تدبير الشأن العام، والمناداة بإصلاح الإعلام “العمومي”، إلى غير ذلك مما تبين أنه كان في خانة بيع الأوهام للمغاربة الطيبين الذين لا ذنب لهم إلا حبهم لوطنهم بأن يروه في مصاف الدول والأمم الجديرة بعصرها ومكانتها في تاريخ الإنسانية المتقدمة. وإذا بغاشي السياسة يتجادلون حول كيفية رسم النون في كتابة سحنون وليس عن مدونة سحنون.

حول نهج تشقيق اللغة واختراع الشعارات

أدرك المغاربة الآن أن الأقلام التي كثيرا ما استنكرت بالأمس القريب وجود “مغاربة” من صنف “سوبير كلاس Super Classe” لا همّ لهم إلا سرقة لقمة عيش المغاربة، تخلت اليوم عن عويلها الذي شغلت الناس به ضد شراء الذمم بالمأذونيات والرخص وأملاك المغربة، وغيرها من أنواع الريع، والتي لطالما زعمت أنها تحارب ثقافة الرشوة والارتشاء، أصبحت اليوم تنعت سياسة الوزراء الذين يخطون الخطوات الأولى لتحقيق الحد الأدنى من النزاهة الأخلاقية والحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام، ومحاولة تحقيق ما كانوا ينادون به بأنها سياسة شعبوية، دون أن يتكرموا علينا بإفادتنا ببديلهم بما هو سياسة غير شعبوية. أم أن مهمتهم الوحيدة هي الاجتهاد في تشقيق اللغة ونحت الشعارات.

الولاء للأيديولوجيا في المنتهى

من جهة أخرى انقلب كثير من الحزبيين والبرلمانيين وكثير من أقلام كتبة العهد القديم، عهد التلمود المغربي المعاصر، على ما كانوا يروجون له من الطروحات المؤدية إلى تحقيق المواطنة الكريمة لكل المغاربة، وأكدوا مرة أخرى أن ولاءهم للإيديولوجيا قبل الولاء لطموحات الشعب المغربي، كل الشعب المغربي، وليس كما يتخيل لهم بأنهم هم الشعب، كما تخيل ويتخيل بعض الحكام أنهم هم الدولة؛ لأن المهم عند هؤلاء هو محاربة أسلمة المجتمع و”الظلاميين” حتى ولو كان هؤلاء الإسلاميون الموصوفون بالظلاميين يعملون على تحقيق ما كانوا يرفعونه في شعاراتهم ويعدون بها المغاربة الطيبين. اللهم إذا كانت “الكلمات يمكن أن تعني حقائق مختلفة”، على حد تعبير الحسن الثاني في كتاب التحدي. (ص 111).

الامتيازات مقابل الحفاظ على الثالوث الملوث

بعض الأشخاص الذين باعوا نضال المغاربة مقابل امتيازات ممنوحة ارتفعت أصواتهم لتناصب العداء لما يقوم به بعض وزراء الحكومة الحالية، قصد إفشال مشاريعهم الرامية إلى تحقيق خطوات فعلية لتحقيق إصلاحات في الإدارة والقضاء والتعليم؛ هذا الثالوث الملوث الذي جعل الحسن الثاني يقبل على مضض دعوة حزب المعارضة القديم إلى الحكم كي يتجنب المغرب “السكتة القلبية” بحسب تعبيره. فهؤلاء ببساطة لن يقبلوا أن ينجح غيرهم حيث فشلوا هم حين تخلوا عن نضالات وطموحات شعبهم، ولم ينحازوا ضد مناضليهم فحسب، بل أنهم لم يسعوا بجدية حتى لتحريك ملف ما يعدونه مرجعهم الأيديولوجي الشهيد المهدي بنبركة، الذي حولوه إلى مجرد أصل تجاري.

أقلام .. وأقلام

وفي الوقت الذي تأكدت فيه سياسة جهات معتادة على إمساك العصا من الوسط والأكل على كل الموائد، وانكشفت فيه جهات وأقلام تبين أن أصحابها كانوا يقولون للشعب ما لا يؤمنون به؛ في هذا الوقت ظهرت أقلام تعكس إلى حد كبير التحولات التي يشهدها العالم والمغرب؛ أقلام من حق المغاربة أن يتفاءلوا ببداية عهد جديد في التعامل الإعلامي مع الوقائع والأحداث وتسيير الشأن العام. ويتعلق الأمر بالجيل الجديد من الصحافيين والإعلاميين المغاربة. وفي المقام الأول أقلام الصحافة الإلكترونية والفيسبوك والتويتر؛ هذه الأقلام التواقة إلى بناء مغرب يسع فيه العيش الكريم لكل المغاربة، أصبحت كلمتها اليوم هي العليا وأمست كلمة الذين خانوا شعاراتهم هي السفلى .

عن بقرة المغرب الحلوب ورياح التغيير

من الصعب أن يتم الفرز في الوقت الراهن بين الصادقين في مقالاتهم وبين تجار الوهم الأيديولوجي أو أولئك الموظفين لخدمة فئة “اخدم التعيس للناعس” الذين يخشون من فقدان بقرة الوطن الحلوب. وإنما يمكن القول أن المعارك الحالية بين وزراء من الحكومة المنبثقة عن دستور أول يوليو 2011 وبين المهدَّدين بفقدان امتيازاتهم الممنوحة ستدوم مدة أطول إلى أن ينجلي غبار هذه المعارك، ويتضح مآل البيجيدي (P J D) كما اتضح مآل اليوسيفبي،(U S F P) أم أن مراكز القرار تكون قد فهمت جيدا اتجاه رياح الحراك الشعبي، واستوعبت هذه المرة فعلا منطق التاريخ ومكره أيضا؟

هناك من يحاول أن يعطي لجملة رئيس الحكومة في قوله بأني “ما زلت أتعلم الحرفة” إحالات متعددة وأبعادا كثيرة. يتمنى كل من يطمح إلى التغيير الفعلي ألاّ ينزلق المغرب مجددا في ما لا تحمد عواقبه، كما يتمنى أن تكون عبارته الأخرى “سأحارب التماسيح التي تفتعل المؤامرات “توضيحا للعبارة السابقة، وترجمة لطموح المغاربة المؤجل عنوة وضدا على إرادتهم منذ عقود من وعود حكومات الاستقلال.

الخشية من إعادة إنتاج سنوات التوافق

ونتمنى من جانبنا أن لا يخرج رئيس الحكومة ذات يوم بعد أن يكون قد تعلم حرفة السياسة المغربية وحكمة عقيل بن أبي طالب ليضيف إلى الجملة الشهيرة للسيد عبد الرحمن يوسفي “لقد حققنا طرسانة من القوانين” جملة أخرى يمكن أن تكون على الصيغة التالية أو على ماثلتها “لقد كشفنا للمغاربة بعض ما تيسر من قوائم مأذونيات النقل ورخص الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال وغيرها، وها قد أصبح لكم بها علم، والسلام عليكم”.

وكأن كل ما ينتظره المغاربة هو معرفة بعض القوانين الحبيسة بين ثنايا الجريدة الرسمية وقوائم الذين استفادوا من كوارع البقرة المسروقة دون الكشف عمن استأثروا بكل البقرة نفسها من أجل تعميم ضرعها على كل المغاربة، وكأن هموم المغاربة تنحصر في “علم لا ينفع وجهل لا يضر”. في الوقت الذي تضيع فيه حقوقهم على موائد الجدل المضني الذي لا دور له إلا تعظيم الصغائر وتصغير الكبائر واسترخاص طرائق الأصول وتثمين الريع والغلول.

إن المغاربة لا يزالون يتذكرون جوابهم للسيد يوسفي الذي يفيد أن ما يعنيهم ليس طرسانة القوانين كنصوص في الجريدة الرسمية، بل تحقيق ما يضمن لهم العيش الكريم أولا، والعدالة والحق في التعبير عمليا عن طموحهم إلى تحقيق الحد الأدنى من حقوق المواطنة، كما هي متعارف عليها دوليا، والتقليل من ظاهرة “لحريكّ” وتقديم لحم الشباب طعاما لأسماك البحر بعد أن استأثر حوت البشر بجمل المغرب وما حمل.

عن منهجية الترويض والحدوتة المصرية

وأخشى أن تكون حظوة الاستقبال عند سلم الطائرة بتشريفات الليموزين، وإغراءات الامتيازات والإقامات الممنوحة، والسيارات الفخمة والخدم والحشم أيسر الطرق لإقناع أهل الوعود بترك قافلة الفساد لتكمل طريقها المرسوم، ولا جرم من ترديد شعارات ووعود أسوة بالآخرين الذين لم يملوا من تكرار شعارات الحداثة والديمقراطية. أما من حيث إنجازاتهم السياسية فيكفي أنهم عرفوا من كان السب في جندلة الوطن ومن استولى على ثروات المغرب، ومن يملك القدرة الفعلية على التحكم في مصير ومستقبل الشعب.

وتحضرني هنا للمناسبة نكتة مصرية تحكي أن أحد ركاب الحافلات العمومية تضايق من وضعية هذه الحافلات التي تزداد سوء بعد كل وعد من الدولة بإصلاحها وتحسين حالها.

لكن شيئا من تلك الوعود لم يتحقق في الزمن، فعبر ذات يوم عن سخطه وهو يركب حافلة مهترئة بعبارة “طوز فى وعود الدولة.” فقام شخص قوي البنية وقال للسائق “متمشي شي ياسواق لغاية ما اعرف من لقال طوز في وعود الدولة” وخضع السائق المسكين لأمر الرجل القوي. وبعد فترة توقف قام شخص آخر مفتول العضلات، عليه علامات البلطجة، توجه إلى الأول مخاطبا له: “أنا اللي قلت طوز، فماذا أنت فاعل؟” فما كان من الأول إلى أن نادى على السائق قائلا: “إمش ياسواق إحنا عرفنا من قال طوز”.

فهل ينتهي دور الحكومة الحالية عند معرفة أسباب الإخلاء بالوعود، والتأكد بأن أساليب ترويض الجانحين للشعب هي هي، وأن سياسة العصا والجزرة لا محيد عنها، وأن الحدوتة السابقة هي مصرية النطق ولكنها مغربية المنطق، فمركبة الشعب تبقى مهترئة الزوايا والجوانب، وستواصل طريقها وسط المنعرجات الحادة والمطبات الهالكة في انتظار وعود كَودو التي لن تتحقق أبدا؛ لأن كَودو قد مات بعد أن ترك وصية مفادها

“مــا حــك جـــلدك مثــل ظـــفرك . . فـــتولى أنـــت جمــيع أمــرك”
“وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم .. وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ”