محمد بن عبد الكريم الخطابي: المؤمن المجاهد العبقري..

بقلم : عزالدين شملال

تحل بنا في سادس فبراير الجاري الذكرى الخمسينية لرحيل بطل الريف المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي، هذا الرجل الذي قاوم باستماتة غير معهودة قوى الاستكبار العالمي في عشرينيات القرن الماضي، فألحق هزيمة نكراء بالجيش الإسباني في موقعة أنوال الخالدة، ليصبح ” دهار ابران ” ( جبل ابران بنواحي تمسمان بإقليم الناظور ) ملحمة تاريخية يرويها الرواد لأبنائهم وأحفادهم، يستحضرون فيها بطولات الريفيين وإيباءهم واسترخاصهم لأرواحهم في سبيل حريتهم التي حاولت اسبانيا وفرنسا – ” المتحضرتين ” -عبثا سلبهم إياها والإستلاء على أرضهم وممتلكاتهم.

هؤلاء الرجال، إيمانا منهم بخالقهم وتمسكهم بأرضهم وغيرتهم على أهلهم وأرحامهم استطاعوا أن يقهروا الجيوش الإسبانية في معركة أنوال، ويلحقوا بهم خسائر فادحة في العدة والعدد، واستطاعوا بكل عزة وشموخ أن يخلصوا مدينتي سلوان والناظور من قبضة الاسبان و يحصروا تواجدهم في مدينة مليلية السليبة إلى اليوم، كما ألحقوا عدة هزائم بالجيوش الفرنسية كان أبرزها انتصارهم في موقعة “ورغة” حيث كانوا على وشك استرجاع تازة وفاس من قبضة فرنسا الغاشمة .

غير أن تحالف قوى الاستعمار الغربي بقيادة اسبانيا وفرنسا ومساعدة ألمانيا الفاشية، ومن أجل إجهاض المقاومة الريفية الباسلة عمدت إلى قذف الريفيين العزل بالغازات الكيماوية السامة ( لقد تسببت هذه الغازات في انتشار أمراض وأوبئة جلدية خطيرة، واستفحال داء السرطان القاتل، حيث لا زال سكان الريف يعانون من آثار هذه الغازات إلى اليوم )، مما عجل بالمجاهدين الريفيين بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام حقنا للدماء.

إننا ونحن نستحضر شخصية هذا الرجل العظيم الذي شهد لسموه وبطولته وشموخه جميع المغاربة بمختلف مكوناته الثقافية والسياسية والاجتماعية، لابد لنا أن نقف على الجوانب الأخرى لهذه الشخصية.

لقد طغت الدراسات التي ناقشت شخصية المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في جانبها العسكري والحربي والسياسي، وصدرت دراسات وأبحاث لا يستهان بها في هذا الصدد، دون النظر إلى تكوينه الفقهي وفكره المستمد من دراسته في جامع القرويين، ومن التكوين المعرفي لمختلف المشارب العلمية أثناء ممارسة وظائفه التعليمية والصحافية والقضائية.

فالرجل بدأ حياته طالبا للعلم، وتخرج من القرويين، ومارس التربية والتعليم قبل أن يعين قاضيا بمدينة مليلية السليبة، واستطاع أن يكسب حظوة اسبانية ومكانة متميزة لما عرف عنه من رجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في الحل والعقد.

غير أنه ترك كل ذلك، ورضخ لعمقه الديني وتربيته الإسلامية وأعلنها جهادا على الظلم والاستكبار، وانطلق بالإيمان، وبالإيمان وحده، كما كان يردد – رحمه الله – وسط أصحابه وأتباعه، يحثهم على مجابهة الاستعمار والسعي إلى تحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وحتى بعد نفيه إلى جزيرة لاغينيون واستقراره بعد ذلك في مصر لم يثنه عن الاهتمام بوطنه وأبناء وطنه، فأسس بمعية بعض الوطنيين المغاربيين “لجنة تحرير المغرب العربي” ووضع لها ميثاقا ينص بنده الأول “المغرب العربي بالإسلام كان، وبالإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المقبلة”.

وكتب في رسالة إلى أبناء المغرب العربي: ” بلغني أن البعض منهم (من الموظفين العاملين في الإدارات التابعة للاستعمار) لا يُراعي في إخوانه الأهالي إلاًّ ولا ذِمَّةً (…) ولا شك أنهم إن لم يتُوبوا ويثوبوا إلى الاستقامة والنزاهة والعمل لرفع شأن الوطن بإقامة العدل في الأمة فسيجازَوْن عاجلا أو آجلا، إنْ خيراً فخيْرٌ، وإن شرّاً فشرٌّ. والله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون﴾ ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبْلكم وإيَّاكم أن اتقوا الله﴾.

قال: « والله أسألُ أن يوفقنا جميعا لما فيه سعادةُ الدارين ورفاهية الوطن وتحريره نهائيا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. » أخوكم عبد الكريم الخطابي 05-01-1948..

هذا الذي كان الإيمانُ بالله وباليوم الآخر عقيدَتَه، وكان القرآن شاهِدَه. وكانت سعادةُ الدارين مطلبَهُ لنفسه وللمسلمين، كان مذهبُه في علاج آلام الماضِي وانحرافات الماضي واضحا. كانت له رُؤيَةٌ مستقبليَّة في كيفية طَيِّ صفحاتٍ لا تَسُرُّ. كانت في ذهنه وقلبه مترادفات قرآنية: الإيمان، والإيمان وحده = اتقوا الله حق تقاته = لا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون = سعادة الدارين، وكانت التوبةُ والدعوة إلى التوبةِ أصلا من أصولِ عمَلٍ مستأنفٍ يصِلُ حاضرا بمستقبل، ومستقبلا بماضٍ، كان ماضي جهادِه إيمان، وتقوى، واستشهاد في سبيل الله، وعدل، وصلاة، وزكاة.

وبفضل إيمانه القوي بالله استطاع أن يحقق هذه البطولات التي بصم بها تاريخ المقاومة المغربية، وتحدث عنها مختلف الثوار على اختلاف مشاربهم من اشتراكيين وليبراليين و”إسلاميين”، فالكل يتخذه قدوة لمدرسته وتياره وفكره، أما هو فقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته منهاجا لانتفاضته ونبراسا لجهاده ومثالا لصبره وجلده.

وأخيرا، سيبقى المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي معلمة نضالية خالدة، وصرحا منقوشا في ذاكرة التاريخ باعتباره قائدا ربانيا شهما ، وبطلا وطنيا متميزا، جمع بالإيمان القبائل الريفية وقاوم بهم غطرسة الاستعمار الغربي الغاشم، فأعطى أروع الأمثلة في مجال النضال والتحرر من أجل حرية وكرامة الإنسان.