محمد بودهـان : ما هي الهوية ؟

بقلم: محمد بودهان
 
المفهوم العامّي للهوية المتعددة:
إذا كان الدستور الجديد (دستور فاتح يوليوز 2011) قد نص على الهوية المتعددة للمغرب، فذلك لأن هذا المفهوم فرض نفسه كبديهية لا يمكن مناقشتها أو التشكيك فيها فبالأحرى إنكارها، لأن مثل هذا الإنكار يعني إنكارا لحقيقة بديهية تدرك كمعطى مباشر، وذلك سواء:
ـ على المستوى الفردي حيث إن كل مغربي يشعر أنه مغربي ومسلم وإفريقي وعربي أو أمازيغي، وريفي أو سوسي أو فاسي، ناظوري أو رباطي أو بيضاوي…إلخ. وهو ما يبرز “تعددا” “حقيقيا” في الانتماء لدى كل مغربي.  
ـ أو على المستوى الجماعي حيث إن الشعب المغربي يتشكل من أصول عرقية متعددة، أمازيغية وعربية وأندلسية وإفريقية وعبرية ومتوسطية، فضلا عن انتمائه الإسلامي.
مفهوم الهوية المتعددة يفرض إذن نفسه كبديهية يقينية، وحقيقة ثابتة، ومعطى ملموس، حاضر، واضح وبارز يكاد يفقأ العين. 
وأين المشكلة في هذا المفهوم؟ المشكلة في بداهته كحقيقة ثابتة لا نقاش فيها ولا جدال. ولماذا تشكل هذه البداهة مشكلة؟ لأن تاريخ العلم علّمنا أن ما يبدو لنا بديهيا ويقينيا ندركه إدراكا مباشرا، هو ما يمنعنا من معرفة حقيقة الأشياء والظواهر، ويشكل “عائقا إبستمولوجيا” ـ بتعبير “كاسطون باشلار” ـ لهذه المعرفة. وهكذا ظل الإنسان لآلاف من السنين وهو يعتقد جازما أن الشمس صغيرة ومتحركة، وأن الأرض مسطّحة وثابتة، لأن هذا ما كان يدركه كمعطى حسي مباشر، وبالتالي كشيء بديهي لا يمكن إنكاره أو التشكيك فيه مثلما لا يمكن إنكار أو التشكيك في كوننا مغاربة ومسلمين وأفارقة وأمازيغيين وعربا ودكاليين وريفيين، إلى غير ذلك من العناصر المتنوعة التي تؤكد هويتنا “المتعددة” كمعطى بديهي بداهة صغر قرص الشمس وحركتها، وسطحية الأرض وثباتها.  
ولأن هذا المفهوم ـ الهوية المتعددة ـ يبدو معطى مباشرا ويقينيا وبديهيا كما رأينا، فهو إذن شائع ومتداول، ليس لدى المثقفين والمتعلمين فحسب، بل حتى في أوساط غير المتعلمين من العامة والأميين. وهو ما يجعل منه مفهوما عامّيا بعيدا كل البعد عن المفاهيم العلمية التي يكون تداولها مقصورا على الأوساط العلمية. وبالتالي فهو مفهوم ينتمي إلى المعرفة العامّية ـ وليس إلى المعرفة العلمية ـ التي يكوّنها الإنسان العامّي وغير المتعلم عن مجموعة من الظواهر الطبيعية والاجتماعية.   
هذا المفهوم العامّي يتصور الهوية إذن كإضافات عددية لعناصر تُجمّع بطريقة ميكانيكية، يكون اختيارها وتحديد عددها اعتباطيين ومزاجيين، لا يخضعان لمعيار محدد يبرر هذا العدد وهذا الصنف من العناصر بالضبط دون عدد آخر وصنف آخر. 
المفهوم العلمي للهوية:
وكما أن المعرفة العلمية لم تتأسس، بشروطها ومناهجها، إلا بعد القطيعة النهائية مع المعرفة العامّية حول الظواهر الطبيعية، التي (المعرفة العامّية) كانت تشكل عائقا أمام تكوّن المعرفة العلمية الحقة، فكذلك لا يمكننا بناء فهم سليم وعلمي للهوية إلا إذا قطعنا مع مختلف التصورات العامّية حول هذا المفهوم. وهذا يقتضي منا الالتزام بالخطوات المنهجية العلمية التالية:
 أولا: تحديد موضوع ومجال الهوية: فكما أن من شروط المنهج العلمي البدء بتحديد الظاهرة موضوع الدراسة وحصر مجالها الذي تنتمي إليه (ظواهر فزيائية، بيولوجية، فلكية، اجتماعية، تاريخية…)، فكذلك ينبغي، قبل مناقشة مسألة الهوية، تحديد مجال استعمال هذا المفهوم وتمييزه عن المجالات الأخرى التي يستعمل فيها بمعانٍ ودلالات أخرى مختلفة تبعا لاختلاف مجال الاستعمال، خصوصا أن هذا المفهوم متعدد المجالات والاستعمالات، مما قد يسهل معه الوقوع في الخلط والالتباس. فهو مفهوم يستعمل في الفلسفة والمنطق والرياضيات وعلم النفس والأنتروبولوجيا بمعانٍ خاصة مختلفة باختلاف هذه المجالات.
ولأن مجال مناقشتنا للهوية، هنا، يخص الشعوب والأمم والأقطار، فلا يتعلق الأمر إذن لا بالمفهوم الفلسفي للهوية، ولا بمفهوم الهوية الشخصية للأفراد،  ولا بمفهوم الهوية العرقية للجماعات الإثنية كالقبيلة والعشيرة، ولا بمفهوم الهوية الإقليمية للجهات والمناطق كالريف وسوس والصحراء ودكالة…، ولا حتى بمفهوم الهوية الثقافية كأنماط جماعية من السلوكات والممارسات والعادات والمعتقدات… وإنما يتعلق الأمر بالهوية الوطنية للشعوب كأمم وكأقطار وكدول، مثل المغرب، كأمة وكشعب وكقطر وكدولة على الخصوص. وأشدد هنا على مفهوم الدولة لأنه ظل دائما غائبا بصفة مطلقة من كل النقاشات حول الهوية بالمغرب، مما جعل هذه النقاشات تنصب على ما هو فلسفي، أو شخصي وفردي، أو إثني وعرقي، أو إقليمي وجهوي، وهو ما يعتبر خروجا عن الموضوع الذي هو هوية الدولة التي تعكس هوية الشعب وتمثّل هوية الأرض التي تسود عليها. يتعلق الأمر إذن، في هذه المناقشة للهوية، بهوية الدولة ومكوناتها من أرض وشعب وسلطة، تنتمي جميعها إلى هوية وطنية واحدة يمثلها ويعبر عنها انتماء الدولة.
وهنا تظهر، في علاقتها بالدولة، أهمية وخطورة مسألة الهوية. وهي الأهمية الغائبة في الهوية الشخصية للأفراد، وفي هوية الجماعات العرقية والإثنية، وفي هوية المناطق والجهات. ولهذا فإن الذين يرون أن إثارة موضوع الهوية هو مجرد مضيعة للوقت، الذي كان ينبغي أن يخصص لمناقشة القضايا التي تهم المغاربة مثل قضايا التنمية والتعليم والديموقراطية والحكامة السياسية…، بدل مناقشة موضوعات يعتبرونها تافهة وغير مجدية من قبيل هذا عربي وهذا أمازيغي، هم على صواب. نعم هم على صواب إذا كنا نتصور، وهو ما ينطلقون منه في حكمهم على تفاهة الموضوع، الهويةَ كخاصية تهم الأفراد والجماعات العرقية الصغيرة إثنيا وترابيا. لكن لو كانوا  يتبنون تصورا آخر للهوية يربطها، ليس بالأفراد والمجموعات الصغيرة، بل بالأمة والشعب والدولة التي تمثل هذه الأمة وهذا الشعب، لاعتبروا مناقشتها موضوعا ذا أهمية بالغة قد تفوق أهمية موضوعات مثل قضايا التنمية والتعليم والديموقراطية والحكامة السياسية.
لماذا تصبح الهوية قضية هامة وخطيرة جدا عندما نربطها بالدولة؟ 
لأن الهوية، على مستوى الدولة، الممثلة للشعب والأمة، تترجَم إلى قرارات سياسية تهم مصير هذا الشعب وهذه الأمة. فانضمام المغرب مثلا إلى جامعة الدول العربية، أو سياسة التعريب التي نهجها منذ الاستقلال، أو الاحتفاء برموز تاريخية معينة مثل الاحتفال بالذكرى 1200 لتأسيس فاس، كلها  قرارات سياسية اتخذت بناء على تصور معيّن لهوية المغرب كدولة وقطر وشعب. فمثلا لماذا يُحتفى بإدريس الأول والثاني ولا يحتفى بـ”يوغرطا” مع أن هذا الأخير كان وطنيا صادقا قاوم بشراسة الاحتلال الروماني لشمال إفريقيا؟ السبب هو فهم معيّن للهوية، يدخل ضمن هذا الفهم إدريس الأول والثاني ويستبعد منه “يوغورطا”. بل لماذا يحتفل بذكرى الإدريسيْن ولا يحتفل بذكرى طارق بن زياد رغم أن الأوليْن لم يفتحا أندلسا ولا حاربا كفارا ولا أحرقا سفنا ولا ألقيا خطبة؟ السبب دائما هو فهم خاص للهوية المغربية، وهو فهم ينسحب كذلك على الرموز التاريخية والثقافية للمغرب. واليوم هناك اعتراف بالأمازيغية كهوية، وترسيم دستوري لها كلغة. وهو قرار سياسي ناتج كذلك عن تصور جديد لهوية المغرب. وفي فرنسا، وكثير من الدول الأوروبية، هناك اليوم تشديد في قوانين الهجرة وإقامة المهاجرين. وهي قرارات سياسية ناتجة عن تصور خاص لمفهوم الهوية الوطنية الذي أصبح موضوعا سياسيا بامتياز، فرض نفسه على كل السياسيين ويحتل مكانة هامة في برامج الأحزاب السياسية. 
ثانيا: تعريف الهوية: بعد تحديدنا لمجال الهوية الذي ينصب على الدولة بمكوناتها من شعب وأرض وسلطة، يبقى علينا الآن، حتى نكون علميين في مقاربتنا، أن نحدد مفهوم الهوية، أي أن نعرّف هذا المفهوم.  فالملاحظ أن مصدر التباين في المواقف حول الهوية، ناتج، فضلا عن الخلط بين الدلالات المختلفة للمفهوم باختلاف مجالات استعماله كما رأينا، عن غياب تعريف للهوية يسمح لنا بمعرفة أي  العناصر، العرق أو الدين أو الأرض أو اللغة أو التعدد…، تدخل ضمن هذا التعريف،  وهي العناصر التي تشكل موضوع الاختلاف بين المواقف، لأن كل موقف ينطلق من فهم خاص وذاتي للهوية دون تحديد مسبق، عام وموضوعي للمفهوم.
فما الهوية؟ وما تعريفها؟ 
1 ـ المعنى الاشتقاقي: مفهوم “هوية” في اللغة العربية، وكما استعمل عند الفارابي على الخصوص، اسم مصاغ انطلاقا من الضمير المنفصل “هو”. ويبدو أنه ترجمة حرفية للفظ اليوناني الأرسطي tautotes (ταυτοτης) الذي يعني: “هو نفسه، نفس الشيء، الشيء المطابق لذاته” ، وهو المعنى ذاته الذي تؤديه في اللاتينية كلمة Idem، التي تعني بدورها: “هو نفسه، هو هو، نفس الشيء”، ومنها اشتُق مصطلح Identité (هوية) المستعمل في الكثير من اللغات الأوربية، ليس فقط المنحدرة من اللاتينية مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية، بل حتى ذات الأصل الجرماني مثل الألمانية والإنجليزية والهولندية والدانماركية…  
2 ـ المعنى الاصطلاحي: في هذا المفهوم ـ هوية ـ، لا يختلف كثيرا المعنى الاشتقاقي عن المدلول الاصطلاحي Terminologique. فبناء على المعنى الاشتقاقي والدلالي لهذا اللفظ ـ identité (هوية) ـ المصاغ من الأصل اللاتيني Idem: “هو هو، هو نفسه”، فإن “هوية” الشيء تعني اصطلاحا أن يكون ذلك الشيء هو ذلك الشيء، أن يكون هو هو نفسه. فالهوية هنا تعني تحصيلا للحاصل، ذلك الشيء هو ذلك الشيء: هوية هذا القلم الذي أمسكه بيدي هي أن هذا القلم هو هذا القلم نفسه، إنه هو هو. هوية الشعب الفرنسي هي أن يكون شعبا فرنسيا، أن يكون هو هو نفسه، أي أن يكون فرنسيا. هوية الشعب الأمازيغي كذلك هي أن يكون هو هو نفسه، أي شعبا أمازيغيا. هوية الشعب العربي ـ نفس الشيء ـ هي أن يكون هو هو نفسه، أي شعبا عربيا. إذن، “الهوية”، ولكونها تحصيلا للحاصل كما في هذه الأمثلة، فهي تتحدد بالعنصرين التاليين:
ـ عنصر “المطابقة”، أي مطابقة الشيء لذاته: هوية هذا القلم هي أن يكون هو هو نفسه، أي مطابقا لذاته؛ هوية الشعب الفرنسي هي أن يكون هو هو نفسه، أي مطابقا لخصوصيته الفرنسية؛ هوية الشعب المغربي هي أن يكون هو هو نفسه، أي مطابقا لخصوصيته المغربية؛ هوية الشعب العربي هي أن يكون هو هو نفسه، أي مطابقا لخصوصيته العربية؛ هوية الشعب الصيني هي أن يكون هو هو نفسه، أي مطابقا لخصوصيته الصينية…إلخ. إذن العنصر الأول الذي يدخل في تعريف وتحديد مفهوم “الهوية” هو عنصر “المطابقة”. 
ـ عنصر الاختلاف: لكن عندما أقول “بأن هذا القلم هو هذا القلم” (المطابقة)، فمعنى ذلك أن هذا القلم ليس قلما آخر… “فالشعب الفرنسي هو الشعب الفرنسي” معناه أن الشعب الفرنسي ليس هو الشعب الياباني أو العربي أو الألماني أو الصيني.. ولا أي شعب آخر. وهكذا تتحدد “الهوية” بعنصر ثانٍ هو عنصر “الاختلاف”. فالشعب الفرنسي هو الشعب الفرنسي (المطابقة) لأنه ليس شعبا آخر (الاختلاف) غير الشعب الفرنسي نفسه. فـ”المطابقة” تفترض، إذن، “الاختلاف”. فالمطابق لذاته هو المختلف والمتميز عن غيره. فهوية أي شعب تتحدد بمطابقته لخصوصيته، وباختلافه وتميزه عن هويات الشعوب الأخرى.
من هذه التوضيحات يمكن أن نستنتج التعريف التالي للهوية عندما يتعلق الأمر بهوية الشعوب كأمم وكأقطار وكدول كما سبق بيان ذلك: «إنها مجموع الخصائص الملازمة لشعب ما، والتي ينفرد بها وحده (عنصر المطابقة)، وبها يختلف ويتميز عن كل الشعوب الأخرى (عنصر الاختلاف)»
ولتلخيص هذا التعريف نقول إن الهوية تعني الخصوصية (عنصر المطابقة) والتميز (عنصر الاختلاف). فلنحتفظ بهذين العنصرين (الخصوصية والتميز) لأننا سنحتاج إليهما في ما يلي من التحليل. 
ثالثا: مكونات الهوية: 
إذا كانت الهوية تعني الخصوصية والتميز، فما الذي يعطي للشعوب هذه الخصوصية وهذا التميز؟ أي ما الذي يعطيها هويتها؟ بعبارة أخرى: من أين تستمد هذه الشعوب هويتها؟ أو ما هي مكونات الهوية ومحدداتها؟
إذا أردنا أن نكون علميين كما أعلنا ذلك في عنوان هذه الفقرة (المفهوم العلمي للهوية)، فيجب، كما في العلم، أن نخلص إلى نتائج حول مفهوم الهوية تتوفر فيها الشروط العلمية التالية:
ـ أن تكون هذه النتائج عامة، بمعنى أنها لا تصدق على حالة المغرب فحسب، بل تصدق على هويات كل الشعوب والدول، كما هو شأن الحقائق العلمية التي من شروطها أن تكون صادقة بالنسبة لمجموع الظواهر المنتمية إلى صنف معين. فقانون الجاذبية مثلا لا ينطبق فقط على التفاحة التي انطلق منها “نيوتن” في اكتشافه لهذا القانون كما تقول الحكاية المعروفة، بل ينطبق على كل الأجسام.
ـ  أن تكون موضوعية، أي مستقلة عن ذواتنا ورغباتنا وأهوائنا واختياراتنا. فـ”الحديد يتمدد بالحرارة” حقيقة علمية لأنها مستقلة عن رغبتنا في أن يتمدد أو لا يتمدد الحديد. ونذكّر هنا أن الاختلافات في المواقف حول إشكالية الهوية ترجع إلى أن كل صاحب موقف ينظر إلى الهوية، ليس كما هي في الواقع، بل كما يريدها أن تكون. وهذا موقف ذاتي وبالتالي غير علمي وغير موضوعي. 
ـ أن نتوصل إلى هذه النتائج، العامة والموضوعية، بالاعتماد، كما في المعرفة العلمية دائما، على منهج علمي دقيق، وليس استنادا إلى المزاج والانطباع والرغبة كما في المعرفة العامّية التي سبق أن شرحناها.
ما هو هذا المنهج العلمي؟ إنه المنهج الاستقرائي الذي تعتمده العلوم في اكتشاف وصياغة القوانين التي تحكم الظواهر موضوع البحث والدراسة. ويتلخص هذا المنهج في الانطلاق من ملاحظة عدد محدود من الظواهر، المنتمية إلى نفس الصنف والمشتركة بالتالي في نفس الخصائص، كحالات فردية وجزئية، ثم استخلاص القانون العام الذي يحكم كل الظواهر الأخرى التي تنتمي إلى نفس الصنف، وذلك بتعميم النتائج المتوصل إليها، كما في حال التحقق التجريبي من الفرضيات، إلى كل الظواهر الأخرى المتماثلة في خصائصها. 
والظواهر التي تعنينا هنا، والتي سنفحصها كحالات فردية لنستخلص منها القانون العام الذي يسري على كل الحالات الأخرى المماثلة، هي هويات الشعوب والدول الممثلة لهذه الشعوب.
فلنتأمل مثلا حالة اليابان، ونطرح سؤالنا: ما الذي يعطي لليابان، كأمة وشعب ودولة، خصوصيتها وتميزها، أي من أين تستمد هويتها؟ سنلاحظ أن الخصوصية الملازمة للشعب الياباني، والتي تخصه هو وحده (عنصر المطابقة)، وبها يتميز عن باقي شعوب الدنيا (عنصر الاختلاف) تتمثل في:
 أ ـ موطنه الجغرافي الخاص به دون غيره من الشعوب، أي أرضه المعروفة باليابان. 
وهنا يجب التمييز جيدا بين “الموطن الجغرافي” و”الأصل الجغرافي”. فهذا الأخير لا يتطابق بالضرورة مع الأول، لأنه قد يعني أرضا أخرى غير أرض “الموطن”، والتي (الأرض الأخرى) من الممكن أن يكون الشعب المعني قد هاجر منها، لأسباب تاريخية، قبل أن يستقر به “الترحال” بالموطن المعروف أنه أرض خاصة به. فلا يهم إذن أن هذا “الأصل” الجغرافي معروف أو غير معروف، كهجرات الشعوب ما قبل التاريخ التي لا نعرف عنها الشيء الكثير. ولهذا نعني بالموطن “محل الإقامة الدائم والقار”. وعندما نقول “الدائم والقار”، فمعنى ذلك أنه من الممكن أن تكون هناك “مواطن” سابقة مؤقتة وغير قارة. 
ب ـ لغته اليابانية التي ينفرد بها عن كل الشعوب الأخرى. ولا يهم أن هذه اللغة اليابانية قد تنتشر لدى شعوب أخرى تتعلمها وتستعملها، أو أن الشعب الياباني نفسه يتعلم لغات أخرى ويستعملها، وإنما المهم أن هذه اللغة هي لغة يابانية ترتبط بأرض اليابان والشعب الياباني. 
نفس الشيء إذا أخذنا حالة الشعب العربي، كأمة وكدول، سنلاحظ أن  الخصوصية الملازمة للعروبة، والتي تخص الشعب العربي وحده وبها يتميز عن باقي الشعوب الأخرى هي: أ ـ موطنه الخاص به بشبه الجزبرة العربية ب ـ لغته العربية التي ينفرد بها عن كل الشعوب الأخرى. والخصوصية الملازمة كذلك للشعب الصيني هي: أ ـ أرض الصين التي هي موطن للشعب الصيني دون سواه من الشعوب الأخرى. ب ـ لغته الصينية التي ينفرد بها عن كل الشعوب الأخرى. ونفس الشيء فيما يتعلق بالخصوصية الملازمة للشعب الإيراني، والتي بها ينفرد ويتميز عن الشعوب الأخرى. هذه الخصوصية هي: أ ـ بلاده الفارسية التي هي الموطن الجغرافي للشعب الإيراني دون سواه من الشعوب الأخرى. ب ـ اللغة الفارسية الخاصة بالشعب الإيراني وحده دون الشعوب الأخرى. 
ويمكن أن نستقرئ كل الشعوب والدول الأخرى، فسنقف دائما على نفس النتيجة، وهي أن ما يعطي لهذه الدول والشعوب خصوصيتها الهوياتية الخاصة بها، والتي تميزها عن باقي الشعوب الأخرى، هي دائما موطنها ولغتها. النتيجة إذن أن هاتين الخاصيتين (الموطن واللغة) الملازمتين لكل شعب من الشعوب، واللتين تعطيانه هويته الخاصة التي ينفرد بها عن باقي الشعوب الأخرى،  تشكلان قاعدة عامة تسري على هويات كل شعوب الدنيا. ويستحيل أن نجد مثالا مضادا ينفي هذه القاعدة أو يدحضها. 
الهوية بين الأرض واللغة:
إذا كانت هوية الشعوب تتحدد بالأرض واللغة كمكّونين حصريين رئيسيين لهذه الهوية، كما رأينا وشرحنا، فما هي “نسبة” كل منهما في تشكيل هذه الهوية؟ أي ما دور ووزن كل منهما في هذه الهوية؟ هل دوراهما متساويان أم أن أحدهما أكبر وأهم من الآخر؟
عندما نتأمل العلاقة بين الأرض واللغة، سنتوصل إلى أن اللغة لا تكتسب أهميتها كعنصر في تحديد الهوية إلا لأنها هي نفسها تستمد وجودها وهويتها واسمها من الأرض التي نشأت بها وتنتمي إليها. فنحن نعرف مثلا أن اللغة اليابانية ليست هي اللغة الصينية، وأن هذه الأخيرة ليست هي اللغة الهندية، كما أن هذه ليست هي اللغة الفارسية، ودون أن نعرف شيئا عن الاختلافات بين الأنظمة النحوية والاشتقاقية والمعجمية لهذه اللغات الأربع، هذه الاختلافات التي قد تفسر أن هذه لغة صينية وتلك يابانية أو فارسية أو هندية. فعلى أي أساس نميز إذن بين هذه اللغات التي نجهل خصائصها النحوية والمعجمية؟ نميز بينها، ليس على أساس خصائصها الداخلية كلغات، بل على أساس انتماءاتها الترابية إلى أرض الصين أو الهند أو فارس أو اليابان. فاللغة الصينية ليست تلك اللغة التي تتميز بسمات خاصة بها كلغة صينية، وإنما، بكل بساطة، هي لغة أرض الصين بغض النظر عن خصائصها النحوية والاشتقاقية والمعجمية التي تميزها كلغة صينية. وكذلك الأمر بالنسبة لجميع اللغات التي تتمايز بعضها عن بعض بانتماءاتها الترابية التي تستمد منها وجودها وهويتها وأسماءها. ولهذا فهي تسمى بأسماء الأراضي التي نشأت فيها. وبالتالي فهويتها هي نفسها تابعة لهوية الأرض التي ظهرت بها هذه اللغات. وهكذا تكون الأرض هي الأصل واللغة هي الفرع في تحديدهما للهوية دون أن ينتقص هذا الدور “الفرعي” للغة شيئا من أهميتها أو يجعلها عنصرا بسيطا وثانويا، بل تبقى دائما وجها آخر للهوية لكن شريطة ارتباطها بالأرض التي هي مهد تلك اللغة وموطنها. فالأرض، كمكون للهوية، عنصر مستقل وموضوعي في حين أن اللغة عنصر فرعي وتابع.
ومن جهة أخرى، إن الشعوب لا تملك إلا أرضا واحدة هي التي تنتمي إليها وتستمد منها هويتها. لكن يمكن لتلك الشعوب أن تستعمل لغات أخرى بجانب لغتها الهوياتية. بل قد نجد شعوبا، كالهند والسينيغال مثلا، تستعمل لغات أجنبية عنها كلغات رسمية للدولة وللسلطة دون أن يكون لذلك أي تأثير على هويتها التي تبقى هي هوية الأرض التي تنتمي إليها تلك الشعوب التي تستعمل تلك اللغات الأجنبية. كل هذا يبيّن أن الأرض، كمكون للهوية، عنصر ثابت قار ـ أو على الأقل لا يتغير بنفس السهولة التي تتغير بها اللغة ـ وواحد، في حين أن اللغة هي موضوع للتغير والتعدد والتطور.
خلاصة واستنتاج
نستخلص إذن من هذه القاعدة التي استقرأناها من ملاحظة عدد من الشعوب والدول، أن: 
1ـ الهوية تتحدد بالأرض واللغة. أما ما عدا ذلك من المظاهر والخصوصيات الأخرى، فتشكل مجرد متغيرات ثانوية، وقد تكون مشتركة بين العديد من الأمم والشعوب، ولا تشكل بالتالي خصوصية ثابتة تميز هذا الشعب أو ذاك عن كل الشعوب الأخرى، مثل النظام السياسي، نوع خاص من اللباس، نوع خاص من الطبخ، نوع خاص من الرقص، معتقدات خاصة… 
2ـ لا علاقة للهوية بالعرق والأصل الإثني الذي هو أصلا متنوع ومتعدد بسبب الهجرة والغزو والاختلاط والتزاوج. وهو ما يستحيل معه وجود عرق نقي وخالص. فالشعب الياباني مثلا، الذي تتحدد هويته بالأرض واللغة، يضم مما لا شك فيه، ولو بنسب متفاوتة، أصولا عرقية أسيوية مختلفة غير يابانية “جينيا” (Génétiquement)، صينية وكورية وفيليبينية وفيتنامية وماليزية وهندية…. لكن ذلك لا دخل له في تحديد هويته حتى نقول إنها متعددة، يابانية صينية كورية فيليبينية فيتنامية ماليزية هندية… لأن العبرة في الهوية بالأرض وليس بالعرق. 
3ـ الهوية هي دائما واحدة وليست متعددة، ما دام مصدرها الترابي واحدا.  فالأرض الواحدة تنتج عنها هوية واحدة. وإذا كان التصور العامّي يعتبر الهوية متعددة، فذلك لأنه يتصورها تصورا عرقيا. ولأن العرق هو أصلا متنوع ومتعدد، يستنتج من ذلك أن الهوية هي كذلك متعددة. مع أن النقاء العرقي الكامل، أي الذي يمتد إلى عشرات الأجيال، لا وجود له بشكل مؤكد. وحتى على فرض أنه موجود، فلا يمكن التحقق منه علميا وموضوعيا. فمن يستطيع أن يثبت بالمغرب أنه عربي أو أمازيغي مائة في المائة من الناحية العرقية؟ وإذا تزوج أمازيغي عربية، فماذا ستكون هوية أولادهما؟ هل ستكون أمازيغية أم عربية؟ لحل هذا الإشكال الذي يطرحه التصور العرقي للهوية، يقول أصحاب هذا التصور بأن هوية الأولاد الذين ينجبهم مثل هذا الزواج “المختلط” ستكون “متعددة”، أي أمازيغية وعربية.  
وهذا هو المأزق الذي يؤدي إليه المفهوم العرقي للهوية: فالعرق، بما أنه متعدد بسبب الاختلاط الناتج عن التزاوج والتصاهر، فإن ما ينتج عنه من هوية ستكون متعددة بتعدد الأعراق التي شكلت هذه الهوية تاريخيا. وهذا الفهم العرقي التعددي للهوية يلغي في الحقيقة مفهوم الهوية نفسه، لأن عدد هذه “الهويات”، ذات الأصل العرقي، سيصبح مماثلا لعدد العائلات والعشائر والقبائل والبطون التي ستقدر بالمئات، وهو ما ينفي وجود هوية واحدة وقارة للشعب المعني. فضلا على أن الدولة، كما سبقت الإشارة،  يجب منطقيا أن تعكس في هويتها هذا “التعدد” الهوياتي لتكون دولة أمازيغية عربية يهودية أندلسية صحراوية زنجية فاسية ريفية سوسية فينقية رومانية بونيقية وندالية إفريقية فرنسية إسبانية ألمانية سويدية أميريكية كندية إيطالية… إلخ، لأن هناك مغاربة تزوجوا  أجنبيات من هذه البلدان وأصبحت هوية أولادهم، حسب هذا المنطق العرقي التعددي، تحمل في جزء منها هوية هذه البلدان. هكذا نلغي الهوية عندما نريد ردها إلى العرق، الذي هو بطبيعته متنوع ومتغير ومتعدد الأصول بسبب اختلاط الأنساب الذي يفرضه التزاوج والهجرة والتنقل عبر الحدود.
وهنا، بصدد وحدة الهوية، يجب توضيح وتدقيق بعض الأمور المرتبطة بمسألة الوحدة والتعدد: 
ـ إن الهوية الواحدة، ولأسباب تطور تاريخي، قد تشمل عددا من الدول المستقلة بجنسياتها المختلفة بعضها عن البعض، كما هو شأن العالم العربي الذي يتشكل من دول متعددة. وهكذا تضم الهوية العربية جنسيات متعددة مثل السعودية واليمنية والإماراتية والكويتية والقطرية والأردنية…، والهوية الجرمانية تضم أيضا الجنسية الألمانية والجنسية النمساوية… إلخ. فالمواطنون السعودي واليمني والإماراتي والكويتي والقطري والأردني مثلا ينتمون لدول مختلفة، وبجنسيات مختلفة، لكن كل هذه الدول العربية المختلفة والمستقلة تنتمي جميعها إلى هوية واحدة هي الهوية العربية، مثلما أن كلا من ألمانيا والنمسا، رغم اختلافهما كدولتين بجنسيتين مختلفتين ومستقلتين، تنتميان كلتاهما إلى هوية واحدة هي الهوية الجرمانية.  وهذه أحد مظاهر الاختلاف بين الجنسية والهوية.
ـ كما نجد العكس كذلك في حالة الدولة الواحدة التي تضم داخلها هويات (بالجمع) متعددة، مثل “بلجيكا” التي يحمل مواطنوها جميعا جنسية واحدة هي الجنسية البلجيكية، لكن هذه الدولة الواحدة تتشكل من هويتين مختلفتين هما الهوية “الفالونية” في الجنوب والهوية “الفلامانية” في الشمال، أو كما في العراق حيث نجد الهوية العربية في الجنوب والهوية الكردية في الشمال، أو كما في إسبانيا التي تضم هويات (دائما بالجمع) متعددة مثل الهوية الكطلانية، والباسكية، والكاليسية…
ففي هذه الحالة الأخيرة (هويات متعددة ضمن دولة واحدة)، نلاحظ أن هناك، ليس تعددا في الهوية الواحدة كما في التصور العامّي، بل تعددا حقيقيا  في الهويات، بالجمع، يتوافر فيها الركنان الترابي واللسني. فرغم أن الهوية الفالونية والفلامانية مثلا جزآن  مكونان لنفس الدولة التي هي بلجيكا، إلا أنهما تشكلان هويتين مستقلتين تفصل بينهما حدود ترابية ولسنية كما في كل الهويات حسب ما سبق بيانه. 
إلى هنا تبدو الأمور بسيطة وواضحة. لكنها ستتعقد أكثر إذا طرحنا السؤال التالي:
ما مآل هذه الهوية، التي يحددها الموطنُ واللغة، عندما تغزو هذا الموطنَ شعوبٌ أخرى، حاملة لهويات ولغات وديانات أخرى مختلفة؟ 
هذا موضوع آخر سنفرد له مناقشة أخرى.