مســالــك الــتهــريــب بــالــجهــة الــشــرقــيـة

نـاظورتوداي :

باتت الجهة الشرقية، فضاء خصبا لعمليات التهريب، إذ تتداول بها مختلف أنواع وأصناف البضائع المهربة إلى درجة يصعب تحديدها، خصوصا السلع الآتية من القطر الجزائري التي ترد بشكل يومي عبر الشريط الحدودي.

ظاهرة التهريب بالجهة الشرقية تتداخل فيها عدة عوامل مباشرة وغير مباشرة، تتحدد أولها بقرب المسافة بين النقط الحدودية ومدن الجهة الشرقية وبواديها، وعوامل اقتصادية تتحدد في غياب برامج ومخططات اقتصادية بالجهة، إذ عانت الجهة أزيد من 40 سنة، ما جعلها تفتقر إلى المؤسسات الاقتصادية والمشاريع الإنمائية التي تساهم في امتصاص البطالة .

كما أن سلوك المستهلك بالجهة الشرقية يميل عادة إلى كل ما هو أجنبي باعتباره جيدا، بالإضافة إلى عامل الصرف الذي ساهم في ازدهار التهريب بالجهة نظرا لانخفاض الدينار الجزائري الموازي إلى جانب ارتفاع الرسوم الجمركية على الواردات التي تصل أحيانا إلى 200 في المائة. ما يثير القلق حاليا الوضعية التي أصبحت عليها الجهة الشرقية مع الغزو المهول للسلع المهربة من الجزائر، والتي أصبحت تحتل مكانة بارزة داخل السوق الاستهلاكية، وكيف تحولت المراكز الحضرية خاصة القريبة من الحدود، إلى نقط استقطاب وتوزيع هذه السلع.
أسواق التهريب
تعد مدينتا وجدة وبني ادرار أهم نقط استقطاب وتوزيع مواد التهريب، إذ تشهد أسواقهما رواجا كبيرا للسلع المهربة على اختلافها، بما في ذلك الأسواق المصنفة والتي لم تعد تخلو من عرض البضائع المهربة التي لم تعد بدورها في السوق السوداء بقدر ما صارت مهيكلة ومنظمة.

وتحتوي مدينة وجدة وحدها على أسواق رسمية لتصريف البضائع المهربة وثلاثة أسواق أسبوعية، فضلا عن الأرصفة وهوامش الأسواق، والتي تعرف بدورها نشاطا مكثفا للتهريب وانتشار الباعة المتجولين.

ويأتي سوق الفلاح بمدينة وجدة على قائمة هذه الأسواق من ناحية أهمية الرواج التجاري وتصريف البضائع المهربة، ونال بذلك شهرة وشعبية كبيرتين على المستويين الجهوي والوطني، إذ أصبح الإقبال عليه من كل حدب وصوب نظرا لما يتميز به من تنوع في البضائع وانخفاض في الأثمان.

كما أن الموقع الاستراتيجي الهام لسوق الفلاح، والذي يتوسط مدينة وجدة جعل منه قطبا رئيسيا لتجارة التهريب، إذ لم يعد في استطاعته استيعاب الكم الهائل من البضائع التي ترد عليه بشكل يومي، ما جعله يتوسع ليشمل الواجهة الخلفية (دكاكين درب امباصو وسوق الطلحاوي)، أما في اتجاهه الامامي فقد شهد ظهور محلات محاذية على شارع علال الفاسي مختصة كلها في تجارة التهريب.

غير أن هذه الأسواق ورغم مميزاتها لا تخلو من سلبيات عدة أهمها انعدام شروط التخزين، العرض العشوائي للبضاعة وانعدام النظافة كعرض المواد الغذائية إلى جانب المبيدات ومواد التنظيف.
 

وسائل النقل
تنشط مختلف أنواع وسائل النقل على طول الحدود البرية الفاصلة بين الجهة الشرقية والغرب الجزائري من بهائم، دراجات نارية والسيارات على مختلف أشكالها وأحجامها، فيما يتعلق بحركة مرور البضائع المهربة .
فمن السعيدية إلى الكربوز وعلى مسافة 33 كيلومترات، حيث التضاريس معقدة ولا تسمح باستعمال وسائل النقل الحديثة، وبالتالي فالوسائل المستعملة هي البهائم خاصة البغال والحمير، وكذا النقل على الظهور وهي وسائل غير مكلفة وتوفر نوعا من الأمان لمستعمليها.

ومن الكربوز إلى منخفض جبل عصفور، وعلى مسافة حوالي 41 كيلومترا، حيث الأرض منبسطة تستعمل كل وسائل النقل في عملية التهريب من القطر الجزائري إلى التراب المغربي.

أما من جبل عصفور إلى حدود فكيك وعلى مسافة أكثر من 400 كيلومتر فان حركة مرور البضائع المهربة ضعيفة بسبب ضعف التمركز السكاني على الحدود بين الجانبين.

وتبقى معظم المنافذ التي يسلكها المهربون برية، حيث تتعدد نقط العبور على طول الشريط الحدودي المغربي الجزائري، بينما يختلف نشاطها حسب ظروف الأمن وتشديد المراقبة على الحدود.

ومن بين المنافذ المعروفة والتي يسلكها المهربون على الشريط الحدودي نجد على مستوى جماعة أهل أنكاد، منفذين هامين نحو الجزائر، تعادل أهميتهما منافذ الجهة الشرقية مجموعة من فكيك جنوبا إلى السعيدية شمالا، ويتعلق الأمر بأولاد عباس ولغلاليس لفاقة «الروبان» أما على مستوى جماعة بني خالد حيث المسالك عبارة طريق غير معبدة، تختفي معظمها خلال موسم الحرث وتعود إلى الظهور من جديد خلال فصل الصيف.

غير أن المسالك الرئيسية تبقى قائمة طيلة السنة، وهي تسعة مسالك، تتنوع بشكل مواز من الشمال إلى الجنوب بمحاذاة الشريط الحدودي لمساحة هذه الجماعة، ويأخذ كل مسلك اسم الدوار الذي يخترقه ويصله بالمركز الحضري، إلا أن هذه المسالك تتنوع بتنوع السلع موضوع التهريب، وكذا وسائل النقل المستعملة، فمسلك أولاد الزروق مثلا يصلح لمرور الدواب والسيارات في الجانبين المغربي والجزائري داخل التراب المغربي فقط، بينما لا يصلح في التراب الجزائري إلا الدواب .

كما يوجد مسلك الشراكة، والذي يتميز بصلاحيته لجميع وسائل النقل في الجانبين المغربي والجزائري.

وترتبط كل هذه المسالك على الجانب المغربي بنقط اتصال مع الطريق الرئيسية الوطنية رقم 27 الرابطة بين الناظور ووجدة، في حين تؤدي المسالك على الجانب الجزائري إلى مدينة باب العسة.

أما مسالك الوسط وعددها ثلاثة فهي صالحة لمرور السيارات والدراجات النارية والشاحنات، في كل من التراب المغربي والجزائري، وهي مسالك تربط مدينة بني ادرار بنقط حدودية معروفة، إذ هي في الأصل عبارة عن واد يطلق عليه اسم «الواد الأعوج» اخترقه المهربون تدريجيا، إلى أن أصبح صالحا لمرور كل وسائل النقل البرية، حيث لم يعد بمسالك الوسط عراقيل طبيعية. ثم توجد مسالك الجنوب وعددها ثلاثة أيضا، مسلك أولاد الطاهر اتحاتة، الذي يخترق الحدود الجزائرية، ويمتد عبر مسلكين الأول نحو الشبيكية، و الثاني نحو السواني وهو يتصل مباشرة ببني ادرار.

كما يوجد مسلك آخر «لكريرة» والذي يمتد مباشرة نحو الطريق الرئيسية رقم 27 ويلتقي بمسلك طريق « الزيتون « ومسلك «الزريكة» المتجهين على التوالي نحو الشبيكية والسواني، بالإضافة إلى نقط عديدة أخرى عبر تويسيت، سيدي بوبكر، وجدة و عين بني مطهر.

من يمارس التهريب؟
ينقسم ممتهنو التهريب إلى قسمين، الممتهنون الذين يتعاطون التهريب بصفة دائمة، إذ يعملون إما لحسابهم الخاص أو لحساب غيرهم، حيث أن عدد المهربين الفعليين كبير ويتكونون أساسا من الشباب العاطل بالمناطق الحدودية وكبار السن، ويتميز هؤلاء بخبرتهم الواسعة في سلك الطرق الصعبة والخطيرة، وكذا استعمالهم لشتى أنواع التضليل للجمارك ورجال الأمن، وهم بارعون في إخفاء البضائع بأماكن يصعب العثور عليها، كما أن تجربتهم في استعمال الطريق يجعلهم في غالب الأحيان يفلتون من أيدي الجمارك، تساعدهم في ذلك وسائل التواصل الحديثة كالهاتف المحمول الذي أصبح نعمة على المهربين فضلا عن وسائل أخرى كالإشارات الضوئية المميزة والأضواء الخافتة وإشارات الأيدي، والتي يستفسرون بواسطته عن وضع الطريق وتحديد نقط المراقبة.

كما يمارس التهريب فئة تقوم بشراء البضاعة بالتراب الجزائري وتنظم عملية اجتيازها، إلى حين وصولها إلى مراكز التوزيع، وهؤلاء يكونون في الغالب عبارة عن شبكات منظمة ومحكمة يشكل قوي، تستعمل رؤوس أموال ضخمة وتحقق أرباحا طائلة.

وترتفع نسبة المشاركين في أنشطة التهريب بمختلف فئاتهم العمرية، إذ يجد البعض في التهريب ملاذا لتخفيف من معاناة البطالة، بينما يعتبرها آخرون عوضا أفضل لعمل شاق ومتعب لا يعود على صاحبه إلا بدخل ضعيف وهناك من يمثل له التهريب مصدر ثراء و نفوذ داخل المجتمع.

وكيفما كانت صورة التهريب في نظر هؤلاء يكون نشاط التهريب محفوفا بالمخاطر والصعاب، لا يستطيع تحمل أعبائه إلا الأشخاص المغامرون، والذين يمتلكون من القوة والشجاعة ما يستطيعون به مواجهة الظروف القاسية للمهنة، من أخطار الطريق والتعرض للمطاردة من طرف رجال القوة العمومية … وهي شروط لا تتوفر عادة إلا في فئة عمرية محددة وهي فئة الشباب.
عز الدين لمريني (وجدة)