مشردون بالناظور يتوسدون الأرض و يلتحفون السماء في عز ليالي الشتاء

ناظورتوداي : خـــاص

المكان مدينة الناظور ، الزمان منتصف الليـل أواسط شهر يناير ، حـيث الشوارع خالية من المواطنين ، وعلى جوانب الأرصفة يتوسد المشردون أجزاء الكرتون البالية ، ويلتحفون بطانيات مـمـزقة و رثــة ، مشكلين بذلك صورة تقشعر أبدان كل من يصادفها ، نظير المعاناة التي يمرون منها في عز ليالي فـصل الشتاء ، خصوصا خلال الفترات التي تعرف تراجع درجات الحرارة والتساقطات المـطريـــة.

تتنوع الأسـباب التي جعلتهم يقضون ما تبقى من حياتهم تحت جدران المنازل وفي الساحات العمومية و على طول الأرصفة ، إلا أن المـأسـاة في نظر المشردين تبقى واحدة ، جميعهم يحاولون جاهدا مواجهة التغيرات المناخية في فصل الشتاء بأجساد هزيلة ووجوه بائسة ، وحالتهم الإجتماعية متساوية ، يجتمعون في قعر صحن واحد ، يصعب الخروج منه بسهولة ، بإستثناء المستفيدين من عفو القدر والمتمكنين من توفير مأوى قـار يقيهم شـر الأمطـار والرياح الباردة .

فرق كبير بين المشردين و الشمكارة

عزيز إسم مستعار ، شـاب في العشرين من عمره إلتقت به ” ناظورتوداي ” ، قـال ان حالته الإجتماعية فـرضت عليه عيشة التشرد ، وهذا لا يترجم انتماءه إلى فئة ” الشمكارة ” كما يفضل البعض تسمية الأشخاص بدون موى ، وحكى انه كـان إلى غاية وقت قـريب يعيش بتازة في بيت متواضع رفقة والدته المطلقة والتي كانت توفر له قوت العيش عن طريق العمل في منازل الأسـر الميسورة ، لكن هذه الاخيـرة أرغمت بالتخلي عنه بعد معاودتها الزواج من شخص اخر .

يضيف عزيز ” في البداية ترددت والدتي عن الذهاب إلى بيت زوجها بدوني لأنني إبنها الوحيد ، لـكن شـريكها الثاني إشترط عليها هذا الأمر ، ووجدت نفسها بين سندان بدء حياة جديدة قد تعوض لها بعض السعادة التي إفتقدت لها طيلة الأعوام الماضية ومطرقة العيش بعيدا عني ، والقـرار الأخيـر إتخذته بنفسي بعد تفكير عسير ، حيث إقتنعت أن والدتي أيضا يحق لها أن تحظى ببعض السعادة ، وقمت بشد الرحال إلى الناظور للبحث عن العمل ، وبما أنني لم أزر المنطقة بتاتا لا زالت أحاول جاهدا تحقيق هدفي ، و الظروف تفرض علي توسد الشـارع إلى غـاية توفير ما سيمكنني من إيجاد مكان أستقر به ” .

1538835_819412004739333_1237069216_n

عزيز الذي كـان يتحدث إلى ” ناظورتوداي ” وعلامات الحسرة واضحة على محياه ، أعـرب عن اسفه الشديد إزاء السلوكات التي يقابله بها بعض الأشخـاص … الكل هنا يصفني بالشمكار ، لا أطلب منهم شيئا سوى إعتباري كباقي المواطنين ، سمعت سابقا أن أهل الريف كرماء ولا يهتمون للفوارق الإجتماعية ، وهذا ما جعلني أقصد المنطقة من أجل البحث عن عمل أوفر به جزء من السعادة التي أحلم بها ، لـكن هنـاك من يسعى إلى تغيير هذه السمة في نظر الغير ، يحتقرونني و يعاملونني بطرق مؤلمة ، وفي المقـابل أجد من يلتف إلي عبـر تقديم المسـاعدة المادية أو المعنوية ، وهذا دافع كافٍ يجعلني أستمد قوة الصبر إزاء هذه الحياة القاسية إلى أن يـأتي الفرج … يضيف عزيز .

أكره فـصل الشتاء وشقيقي الأكبـر
لكل متشرد حكاية ، وكل حـكاية تجعل المستمع إليها يحقد على هذه الحيـاة و يتحسر لحال بشـر ضاقت بهم الدنيا ، ولم يجدوا حلا إلا باعتناق الأرصفة بعد أن حقدت عليهم أيادٍ غادرة أو أنهم افتقدوا الحنان حتى من أقرب مقربيهم كالزوجة، الأخت، الأم، الوالد، الابن وغيرها من الوقائع المرة التي يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان•

عمر 45 سنة ينحدر من دوار مغمور ضواحي إقليم الدريوش ، قـال أنه يعيش حياة التشرد منذ عشر سنوات ، وأرغم على سلك هذه الطريق المحفوف بالمخاطر بعد وفاة والده بسنتين ، قـبل هذا التاريخ كـان كل شيء على ما يـرام ، لكن مغادرة الحاضن الأكبر للحيـاة ، غيـر مجرى الواقع ، بعد أن أقدم الشقيق الأكبـر على بيع بالوكالة لكل الأملاك ، ضمنها المنزل و ضيعة فلاحية صغيرة ، كانت بالنسبة لـ ” عمر ” المصدر الوحيد لتوفير قوت العيش .

أكره فصـل الشتاء و شقيقي الأكبـر الحاج مْحَمدْ ، فالأول أذوق بـسببه شتى أنواع العذاب ، والثـاني كـان السبب في هذا العذاب ، هكذا تحدث عمر إلى ” ناظورتوداي ” ، حين إستطلاع رأيه بخصوص الظروف التي تمر منها فئة المشردين في أيـام المطر و البرد ، وقـال بنبرة حـادة تبرز مدى الحقد الذي يكنه لهذه الوضعية ” الحكومة شفارة ، المخزن شفار ، كلشي شفار فهاد الدولة ، والمسكين مكيفكر فيه حتى واحد غير لي هداه الله ، أنا خداولي حقي و حتى واحد ما رجعولي ” .

الكحول هو الحـل

على بعد أمتار من مقـر المنطقة الإقليمية للأمن الوطني بالناظور ، وضع ” الرباطي ” غطـاء تفوح منه رائحة نتنة تحت شجرة ، وشرع في إحتسـاء مادة الكحول ، وفي يده قطعة خبز مبللة بمياه الأمطار ، تقربت منه ” ناظورتوادي ” وفجـأة صـاح في وجه مصور الموقع قائلا : ” أش بغيتو عندي ، كلكم حكارة بعدو مني ” ، حـاولنا إستجوابه ، لكنه رفض في البداية ، ومع تكرار المحاولات إشترط عدم تصويره ، وأضاف ” أنا أيضـا لي أولاد وزوجة وتخليت عنهم في الرباط ، ولا يسعدني أن يراني القريبون مني على هذا الوضع ” .

1473876_782419798438554_1794175826_n

وعن سبب إختياره للتشرد عوض العودة إلى أهله ، أكد ” الرباطي ” أنه إرتكب جناية السرقة وقضى على إثـر ذلك سنتين من الحبس النافذ ، ولم يحضى بأية زيارة من أهله طيلة هذه الفترة ، وبعد إستيفاء العقوبة ، قرر مغادرة موطنه متنقلا بين العديد من المدن ، وقـال انه يعمل ماسحا للأحذية في النهار ، وإدمانه الكحول بالنسبة إليه هي الوسيلة الوحيدة التي تقيه شر البرد ، ويستفيد بفعل هذه العادة من الدفئ الذي إفتقده طيلة سنوات المبيت بالشوارع .

موت في العراء
تناقلت وسـائل إعلام محلية في الكثـير من المناسبـات أخبـارا بالصوت والصورة توثق العثور على جثث مشردين في أماكن مختلفة من الإقليم ، ضمنهم من لقى نحبه بسبب الإدمان ، لـكن بعض الحالات تقول مصـادر ” ناظورتوداي ” قـتلت بفعل البرودة و الظروف المزرية التي كانوا يعيشون فيها ، فالمبيت في العراء يعد أيـضا من العوامل التي تسبب مضاعفات على صحة الإنسان خصوصا خلال فصل الشتاء ، حـيث يكون من السهل الإصـابة بـنزلات البرد والأنفلونزا ، وهذه دوافع كافية للقـضاء على البشر سيما ذوي البنيات الهزيلة والأطفـال .

وأمام غيـاب مراكز للإيواء بمدينة الناظور و المناطق المجاورة لها ، فإن خطـر الموت يبقى محدقا بحياة كل الفئـات التي تأويها الشوارع ، وبذلك فإن ناقوس الخطر لن يكف عن الرنين إلى غـاية تحرك السلطات المعنية و التفكير بجدية في إيجاد حلول للتقليص من الظاهرة عبر توفير بنايات و مراكز تأوي هذه الفئة من المجتمع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 7 =