مغاربة إيطاليا… الأزمة “وصلات للعظم”

يفكرون في هجرة ثانية هربا من جحيم البطالة وآخرون استسلموا للمخدرات في انتظار غد أفضل

ناظور توداي :

تعتقد للوهلة الأولى حينما تتجول في حي بورطا بلاس بإيطاليا أنك في أحد الأحياء الشعبية بالبيضاء، إذ تجمع بعض الشباب في «راس الدرب» يدخنون لفافات الحشيش، أو يشربون الخمرة ثم يتخلصون من القارورات، برميها في الشارع أو في أقرب مكان، غير أن جمالية البنايات الإيطالية ومرور فتاة شقراء ممشوقة القوام يذكرك أنك في إيطاليا، البلد الذي يعيش هذه الأيام أزمة بدأت علاماتها الكبرى تظهر بشكل لافت على شريحة كبيرة من المغاربة. وجوه المغاربة هنا ببورطا بلاس تكشف لرائيها أن الأمور ليست على ما يرام، وأن زمن «الرخا» قد انتهى، خاصة أن إيطاليا تعد ثاني متضرر من الأزمة، بعد إسبانيا، كما أن طريقة لباس بعضهم وإدمانهم المخدرات، يظهر بشكل جلي أن الأزمة أو «الكريز» كما يسمونها «وصلات للعظم».

لكل شاب حكاية مع «الكريز»، فهناك من فقد عمله بعد أن أخبر من قبل مشغله أنه مضطر لتقليص عدد العمال، فوجد نفسه في الشارع ليعيش من عائدات التعويض عن البطالة أو «الشوماج» التي لن تتعدى ثمانية أشهر، في حال كان اشتغل من قبل ثلاث سنوات متتالية بعدها يجد نفسه بدون مدخول. الفئة الثانية فقدت عملها بعد اشتغال لم يدم سوى بضعة أشهر لتجد نفسها دون مدخول، خاصة أنه ليس من حقها الاستفادة من التعويض عن العطالة. الفئة الثالثة أكثر هشاشة وتضم الذين لم يسبق أن اشتغلوا أو الذين لا يتوفرون على وثائق، بعد أن دخلوا التراب الإيطالي سرا، ليكون الضياع هنا بجميع أشكاله ويكون السبيل الوحيد للعيش هو «الطلبة» من خلال تعاطيها بشكل مباشر أو عن طريق الوقوف في إشارات المرور ومسح زجاج السيارات، في حين تجد فئة أخرى في السرقة وسيلة لكسب قوتها وقد تستغل من قبل تجار المخدرات.

الحلول أصبحت معدودة على رؤوس الأصابع بحكم أن المهاجرين وضمنهم المغاربة هم المستهدفون بالطرد من العمل والاصطدام بالأزمة بشكل مباشر، والخيارات قليلة وتتوزع بين العودة إلى أرض الوطن واستثمار الأموال التي حصلوا عليها سنوات الرخاء، وهو حل قد يصطدم برفض الزوجة والأبناء، خاصة إذا كانوا يتابعون دراستهم ليدخل رب الأسرة في متاهات دفعت العديد منهم إلى شجار بشكل شبه دائم مع الزوجة، وما يعقب ذلك من استعمال للعنف قد يتسبب في الزج بالزوج في السجن، في حين فضل بعض الأزواج العودة إلى المغرب أو إلى وجهة مجهولة وترك الجمل بما حمل كما يقول المغاربة، بعد أن عجزوا عن تلبية طلبات الأسرة. شريحة أخرى من المتضررين من الأزمة أصبحت ترى أن الحل الوحيد أمامها هو الهجرة من إيطاليا نحو إحدى دول الاتحاد الأوربي، خاصة بلجيكا وفرنسا، غير أن هذا الحل يصطدم بشرط صعب التحقق يتمثل في ضرورة التوفر على الجنسية الإيطالية، حتى يتسنى الحصول على عمل، وهو شرط صعب مأمورية العديدين، خاصة أن الحاصلين عليها معدودون على رأس الأصابع. الفئة الأخيرة جربت كل شيء، فقررت الاستسلام وقضاء معظم وقتها في لعب الورق أو «الرامي» في مقاه تعود ملكيتها إلى صينيين بالخصوص الذين استغلوا انخفاض أسعار العقارات بإيطاليا، فاقتنوا العديد منها وشرعوا أبوابها في وجوه المغاربة، مع تذكيرهم بإمكانية غلقها في حال لم يقتنوا مشروبات بشكل كاف، أو واصلوا الدخول في مشاجرات في ما بينهم.

تقضي هذه الفئة النهار كاملا في لعب الورق أو القمار في جلسات لا تخلو من تدخين الحشيش أو «الشيشا» أو شرب الخمر في مشهد لا يختلف عما تعرفه العديد من المقاهي بمدن المغرب، قبل أن يتفرقوا ليلا ليضربوا موعدا في اليوم الموالي، في انتظار أن تمر الأزمة التي طال مكوثها في بلاد الروم.