مغاربة يحولون «التبركيك» و«الكذوب» إلى نمط عيش يومي!

نـاظورتوداي : 

يمتلك كل شخص قدرا من الفضول يدفعه للنبش في حياة بعض المحيطين، رغبة في تعميق المعرفة بهم، لكن هذا الفضول يتحول”لبلية” بجرعة مبالغة لدى بعض الأشخاص، مما يحول الأمر من فضول مستحب، إلى “تبركيك” مقيت. بينما تتناسل الكذبات البيضاء التي يختلقها البعض للضرورة، لتتحول إلى قاعدة بين صفوف “المبليين بالكذوب”
 
قد تكون الرغبة في التعرف على بعض أخبار الآخرين جزء من الطبيعة الإنسانية، غير أن هذه الرغبة تتخذ منحى مرضيا مع بعض الأشخاص الذين تتمحور حياتهم حول معرفة أدق تفاصيل وخصوصيات الآخر، سواء كان فردا من العائلة، أو جارا، أو زميلا في العمل. الأمثلة عديدة جدا وكل واحد منا مؤهل لمصادفة شخص متطفل، أو “بركاك” وفقا للتوصيف الدارج.
 
فرط في «التبركيك»
فاطمة وجاراتها ممن صادفن نموذجا مميزا لامرأة تعاني “فرطا في التبركيك”، «لأول مرة في حياتي أرى شخصا ينظر لكيس القمامة بعين فاحصة وكأنها تحاول أن تعرف ما يدخل جوف كل واحد من قاطني الحي» تقول فاطمة التي تضطر بين الحين والآخر لتبني بعض السلوكات المفتقدة للباقة رغبة في صد الجارة المتطفلة.
 
تبدي حسناء موافقتها الكاملة لفاطمة، قبل أن تذكرها بأكثر أساليب الجارة “فتكا”، «عندما تعجز عن دخول بيت ما لمعرفة طبيعة الأثاث، وكيف يعيش أصحابه، تعمد إلى استدراج الخادمات خصوصا إذا كن صغيرات في السن». تقول حسناء التي وجدت أن مساعدتها ترحل عن البيت دون سابق إنذار، قبل أن تراها بالصدفة تخرج من منزل الجارة المتطفلة. تكرر هرب المساعدات لأكثر من مرة بنفس الطريقة، حيث تغريهم الجارة بمضاعفة الأجرة.
 
تفي الجارة بوعدها غير أنها سرعان ما تتخلى عن خدماتهن بعد أن يفرغن كل ما في جعبتهن فيما يتعلق بأسرار البيوت التي كن يشتغلن داخلها. تحولت رغبة الجارة الملحة لهتك ستر الجيران، إلى سبب مباشر في تبني الكثير من الجارات المتضررات لقرار القطيعة، الذي لم يفلح في ثني الجارة عن عادتها المرضية في التطفل، « لقد فوجئت بها تحضر زفاف ابنتي رغم أنني لم أوجه لها الدعوة، مدعية أن زفاف ابنتي مناسبة جيدة لإعادة الأمور لمجاريها، لكن مع ذلك لم تغير من عادتها، حيث تفاجأت بها تسأل إحدى المدعوات عن الظروف التي تعرف فيها العريس على ابنتي». تقول فاطمة.
 
“البركاك” المحترف هو من يستغل اقتناص المناسبة كيفما كان عنوانها، وهذا بالضبط ما تقوم به جارة فاطمة التي يعتقد بعض السذج أنها سيدة “مصوابة” وفقا للعبارة الدارجة التي تختزل الكثير من معاني اللباقة، وحسن التواصل الاجتماعي، غير أن الجارة تجعل من عيادة مرضى الحي، و تعزية موتاهم منفذا لمعرفة أخبارهم بعد أن أقصوها من أفراحهم، « بمجرد أن تعلم بمرض شخص، تحمل طبق الكيك، أو المسمن ، لتتسمر داخل الصالون لساعات طويلة حتى تتمكن من رؤية كل الوافدين والتحدث معهم.. نفس الأمر يتكرر عند وفاة شخص ما داخل الحي» تقول فاطمة التي ضاقت ذرعا بتطفل جارتها الغير محتمل.
 
* «إلا مكنتيش بركاك قلب ليك على شي بلاد من غير هنا»
زهراء لم تنتظر أن تكون حالة يستشهد بها الناس عند الحديث عن التطفل المزعج، لتجد في هذه الخصلة أمرا يبعث على التفاخر، « التبركيك صناعة مغربية، وإلا مكنتيش بركاك قلب ليك على شي بلاد من غير هنا» تقول زهراء مازحة رغم معرفتها المسبقة أنها أسيرة “بلية” يصعب التخلص منها. رغم لا مبالاة زهراء بانتقاد البعض لحشريتها الزائدة، إلا أنها لا تنكر أن خصلة “التبركيك” كانت سببا في توتر علاقتها مع المحيطين داخل البيت، والجامعة، والعمل، إضافة لعلاقتها مع أسرة خطيبها.
 
ترفض زهراء أن يرمى اللوم عليها، مفضلة وصف الناس بالمعقدين، والحدوديين وغيرها من الأوصاف القدحية لكل من يعلن التأفف من فضولها وحشريتها، «معرفتش مال بنادم مغول ومعقد وكيضارب غير مع راسو.. ما المشكل إذا كانت لي رغبة أن أعرف كل شيء عن المحيطين بي، أعتقد أن هذا نوع من الاهتمام، وطريقة للتعرف على ما يحيط بي.. واش نبقا فدار غفلون» تقول زهراء التي تخرج من دار غفلون من خلال تدخفلها في كل صغيرة وكبيرة في حياة المحيطين بها، لدرجة التجسس عليهم من خلال إنشاء صفحات فايسبوك بأسماء مستعارة.
 
* جينات «التبركيك»
قد تكون زهراء تحدثت عن نفسها بكل وضوح، لكن شهادة من اكتوى بنار فضول مثيلاتها، يرى أن هذا النوع من الأشخاص يحتاج لعلاج نفسي،«كنت أعتقد أنني شخص فضولي، غير أنني غيرت قناعتي عندما ابتلانا الله بجارة حولت حياتنا لما يشبه الجحيم» تقول رشيدة التي تؤكد أن كلامها ليس نوعا من المبالغة، «في البداية كانت تطرق الباب صباحا لتطلب القليل من الملح على سبيل المثال، لأتفاجأ أنها تقف خلفي في المطبخ مستفسرة عن ما أعده للغذاء، وعن المكان الذي اشتريت منه غرضا وقعت عينها عليه داخل المطبخ… وأحيانا تتجرأ على فتح الثلاجة أو التطلع لرفوف المطبخ»
 
لم يكن جفاء رشيدة المصطنع ليحد من فضول الجارة التي نقلت “جينات التبركيك” لأبنائها، «كنت أسرع في إدخال الضيوف للبيت قبل أن يصل صوتهم لمسامعها، لكن أولادها سرعان ما ينقلون لها خبر وجود غريب داخل البيت» تقول رشيدة التي سرعان ما تجد الجارة أمام بابها بدعوى اقتراض بعض أدوات المطبخ، قبل أن تنضم للضيوف.
 
لم تنجح صراحة رشيدة في إبعاد الجارة عن اقحام نفسها في كل شؤون الأسرة، « لقد اتفقت أنا وجاراتي على معاملتها بجفاء، كما عملت على محادثتها بصراحة وأخبرتها أن باقي الجارات منزعجات من فضولها.. لكنها كانت تتجاهل ما نقول.. لو لم ترحل عن هنا لأصبت بانهيار عصبي، لقد كنت أطردها من البيت، لكنها كانت تجاوبني ببرود.. كتقولي ماغاديش ندي عليك حيت نتي معصبا حتى تبردي ونرجع عندك» تقول رشيدة التي تلقت بشرى انتقال جارتها الفضولية لسكن جديد، قبل أن تصاب بانهيار عصبي.
 
* « ولدي مبلي بالكذوب »
قد يكون التطفل من الأمور التي تشعر البعض بالكثير من الانزعاج، لكن “بلية” الكذوب تتخذ منحى آخر من خلال بناء الكثير من العلاقات الانسانية على أسس واهية. نجاة واحدة من الأمهات اللواتي يعشن مشاكل بالجملة بسبب تربية الأبناء، لكن أكثر ما يقلقها، إدمان ابنها على الكذب بطريقة مرضية، «ولدي مبلي بالكذوب مللي كان صغير… لم يكن الأمر مستغربا لأن والده أكبر كاذب التقيته في حياتي، حيث أوهمني أنه يمتلك فيلا بمحاذاة شاطئ البيضاء، قبل أن أكتشف بعد شهرين من زواجنا أنها ملك شقيقه الذي طالبنا بالرحيل بعد عودته للمغرب» تقول نجاة المتخوفة على مستقبل ابنها الكذاب.
 
« عندما أحاول نصحه، يخبرني أننا في مجتمع يحترم المظاهر، وأن الكذب أسهل وسيلة لخلق مظهر غير موجود». لم تفلح الأم في اقناع ابنها على الرغم من افتضاح أمره لأكثر من مرة، «لقد اكتشفت أسرة الفتاة التي تقدم لخطبتها أنه لا يملك مكتب محاماة، وأن والده ليس عسكريا كما يدعي، على الرغم من أن والده لم يبدي أي معارضة في مجاراته في الكذب» تقول الأم التي تجد نفسها محاط برجلين يمتهنان الكذب.
يساهم الوضع الاجتماعي لأعمام الابن في استغلال بعض أغراضهم للتباهي بين أصدقاء يرسمون صورة وهمية عن صديقهم “المنعم”، الذي يمتلك العديد من السيارات، دون أن يعلموا أنه يستعيرها من أبناء عمومته، في محاولة منه للإيقاع بفتاة من فتيات الطبقة الميسورة.
 
سكينة بنزين