مـاسـاة إختفـاء 65 مغربي كانوا على متن قـارب للهجرة السرية إنطلق من أركمان تطفو على السطح

نـاظورتوداي : 

مرشحون للهجرة السرية ضاعوا في البحر وأخبار تتحدث عن  اعتقالهم بالجزائر
طفت من جديد قضية اختفاء 65 مواطنا من أبناء الجهة الشرقية من المرشحين للهجرة السرية نحو الديار الأوربية يوم عاشر أكتوبر 2002 ، عندما انطلق قارب بسيط منتصف الليل من شاطئ أركمان بإقليم الناظور، لتبدأ مأساة 65 شخصا كانوا على متن القارب، وتتبعها فصول معاناة عائلات ظلت تعيش  المأساة إلى اليوم، دون أن تهدأ نفوسها التي تتقاذفها الآمال والآلام في العثور يوما ما على أبنائها المختفين.
 
 مناسبة إثارة الموضوع، اللقاء الذي جمع أفراد بعض هذه العائلات بتاريخ 15 أبريل الماضي بمقر فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوجدة، بعد أن أجرت هذه الهيأة  عددا من الاتصالات واللقاءات على المستوى الشعبي والرسمي لاستجلاء الحقيقة، وقصد تكوين صورة تقريبية لحالة إنسانية كمثيلاتها التي شهدتها المنطقة بأشكال متعددة، منها اختفاء تجار وحرفيين عبروا  الحدود نحو الجزائر، أو شباب ركبوا قوارب الهجرة، فلاهم وصلوا الى المبتغى، ولاهم ظهرت آثارهم، إذ كان من المعتاد لدى سكان الجهة الشرقية أن يسمعوا بين الفينة والأخرى حكايات شباب اختفوا بعد أن عبروا الحدود، بحثا عن عمل بالجزائر، أو للهجرة عن طريق تونس أو ليبيا أوتركيا، أو قارب اختفى بمن فيه، ليعود ركابه جثثا في صناديق باردة، تفتح جروحا عميقة لدى عائلات، كان أملها أن يجد أبناؤها شروطا للعيش في مناطق أخرى.
 
مأساة جرح عمره 11 سنة
كانوا 65 شخصا، من بينهم أربع نساء، استقلوا قاربا بعد أن أكملوا كل إجراءات الهجرة مع أحد السماسرة سيحال فيما بعد على القضاء بوجدة.
 
وحسب تقرير تمهيدي للجمعية المغربية لحقوق الانسان توصلت «الصباح» بنسخة منه، فإنهم دفعوا 20 ألف درهم لكل واحد، وأبحر القارب بعد منتصف الليل بقليل  متجها نحو جنوب شرق إسبانيا تحديدا، وكانت تلك الليلة، ولسوء حظ ركاب القارب، عاصفة وشديدة الحلكة، جعلت القارب يتوه وسط الأمواج إلى أن فاجأته قطعة بحرية من خفر السواحل التابع للحرس المدني الإسباني العاملة في المياه الدولية، مرغمة إياه على العودة من حيث أتى. 
 
وبعد أن تجاوز الوقت الساعتين والنصف تقريبا، قفل القارب راجعا في ذلك الجو العاصف، فكانت النهاية أن ضل الطريق ورسا  بعد ساعات قرب وهران بالسواحل الجزائرية الغربية، وهي المعطيات التي يعتقد أفراد عائلات الضحايا أنها في حوزة أربعة مرشحين للهجرة ممن فضلوا التراجع على المغامرة في آخر لحظة، وعادوا أدراجهم  إلى قراهم بالجهة الشرقية، والذين، كما تعتقد العائلات، ظلوا على اتصال مع ركاب القارب، بعد إقلاعه  من قرية أركمان بالناظور، ومنذ تلك الليلة، انقطعت أخبار الجميع بصفة كلية إلى أن فوجئت عائلة عباد، وهو أحد المختفين، بخبر محزن قلب كيان كل العائلات رأسا على عقب.
 
جثمان عباد رابح أو بداية معاناة العائلات
فوجئت إحدى العائلات يوم 16 مارس 2003 بالمناداة عليها قصد تسلم جثة ابنها الذي كان ضمن المجموعة التي كانت على ظهر الزورق المشؤوم، وتوجهت العائلة للمركز الحدودي زوج بغال (12 كيلومترا شرق وجدة)، لتتسلم من السلطات الجزائرية جثة ابنها عباد رابح، الذي يشير رسم الوفاة المسلم من القنصلية المغربية بمدينة بلعباس الجزائرية أن وفاته كانت يوم 11 مارس 2003، وهكذا أرغمت العائلة على دفن ابنها بالسرعة الضرورية بأمر من السلطات المغربية، حسب الشهادات المثارة في المناسبة، لكن الجرح بقي مفتوحا ومليئا بالأسئلة بالنسبة إلى باقي عائلات الضحايا، التي ظلت تجهل كل شيء عن أبنائها، إذ بذلت المجهودات لمعرفة مصيرهم، في غياب شبه كلي للجهات الرسمية من كلا الجانبين المغربي والجزائري.
 
وقد تنقلت بعض الأمهات الى القنصلية المغربية بمدينة بلعباس الجزائرية، ولم يحصلن على شيء يشفي الغليل، وبذلت العائلات مجهودات قصد استثمار علاقات القرابة بين مواطني الجهة الشرقية المغربية مع أقاربهم ومعارفهم بالغرب الجزائري، وذلك عبر التنقل بين الضفتين لتبادل المعطيات الشحيحة والمشوشة، أهمها ما شهدت به عائلة حسن مزوار، من أن بعض المختفين شوهدوا في تلك الفترة وفي مناسبتين متتاليتين  في التلفزة الجزائرية، وأن هواتف بعض المختفين، ظلت ترن بشكل طبيعي بعد الاختفاء بثلاثة أيام دون جواب، بينما أكدت عائلات أخرى أن الوسيط أخبرها أن له معلومات تشير الى وجود المختفين رهن الاعتقال بالجزائر، واستنادا كذلك لما نشرته إحدى الصحف الجزائرية في تلك الفترة، في صفحة أخبارها الأمنية.
الغموض يلف قضية الاعتقال
قضية الاعتقال في حد ذاتها مليئة بالغموض. فإذا كانت كل المعلومات تشير الى احتمال الاعتقال، فإنها تصطدم  باحتمال قوي تشير كل الشكوك إليه، وهو أن القارب قد يكون محملا، إلى جانب «الحراكة»، بكمية من المخدرات، وهو ما يؤرق العائلات حقا إذا كانت الحكاية صادقة، فالوسيط الذي تحرك في الموضوع، أكد لبعض العائلات وجود أبنائها في السجون الجزائرية بتهم حيازة المخدرات المحتمل وجودها على متن القارب،ولو دون علم الضحايا، خصوصا أن القضاء الجزائري والسلطة الجزائرية عموما، لا تتسامح مع هذا النوع من الجرائم، وبالأخص إذا كان مصدرها المغرب، وذلك لأسباب سياسية وثقافية، كذلك يعرفها سكان الجهة الشرقية حق المعرفة، وهذا بالطبع إن كانت الروايات المتداولة لدى الجزائريين صحيحة، وهو ما ذكرته بعض العائلات في شهاداتها أمام فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بوجدة، إذ استنادا كذلك الى شهادات ومعلومات حملها معتقلون مغاربة قضوا عقوبات حبسية بالسجون الجزائرية، سمعوا بوجود مغاربة معتقلين على قارب تهريب «ينقلون» مخدرات بين الضفتين، تحت غطاء «الهجرة»، مع الإشارة الى السجون التي من المحتمل أن يكون المغاربة المعتقلون أو المختفون حتى إشعار آخر، موجودين بها، ويتعلق الأمر بسجن البرواكية بولاية المدية، وسجن وهران وسجن بشار بالجنوب الغربي للجزائر، وهو ما أكده، دائما حسب شهادات أسر المختفين، موظف جزائري، قيل إنه كان يقضي عطلته لدى أقاربه بالمغرب.
 
كما تشير إحدى الشهادات أن مهربا مغربيا حوكم بإحدى عشرة سنة سجنا، واستفاد من عفو رئاسي بتخفيض سنتين من العقوبة، أكد أنه سمع سجناء جزائريين يتداولون خبر وجود 64 مغربيا يقضون عقوبة تتراوح  بين 20 و25 سنة سجنا، كما أن معتقلا مغربيا ،التقته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في سياق تحرياتها، أفاد أنه عندما كان يتاجر في الأحذية عبر الحدود، سمع عن مغاربة اعتقلوا  على السواحل الجزائرية قرب وهران، «وبحوزتهم» كمية من المخدرات.
 
محمد المرابطي (وجدة)