هذه الأسر تغيب فيها الروابط الأسرية السليمة

نـاظورتوداي : 

تتحدث خلود السباعي* في الحوار التالي عن الأسباب التي تدفع بعض الفتيات لممارسة الدعارة بعلم أسرهن، كما تتحدث عن المعاناة النفسية التي تعيشها هذه الفئة.
* هل يمكن الحديث عن ظاهرة جديدة تتمحور حول متاجرة بعض الأسر في أجساد بناتها؟
– أولا تجب الإشارة أن الدعارة كظهارة مرتبطة بالمرأة قد أصبحت متفشية داخل المغرب، سواء تعلق الأمر بدعارة الراشدات أو القاصرات، إلا أن تفشي الدعارة بين صفوف القاصرات أصبح شيئا فظيع لكننا للأسف نتحاشى مناقشته على الرغم من خطورته وتفشيه.. لكنني أتحفظ على إطلاق اسم ظاهرة على بعض الحالات التي تعلم فيها الأسرة بممارسة ابنتها للدعارة، وذلك لغياب دراسات واحصائيات حول هذا الموضوع على الرغم من أن عدد القاصرات الممارسات للدعارة في ارتفاع بسبب تعاطي المخدرات داخل المؤسسات التعليمية انطلاقا من المستوى الابتدائي، حيث نجد أن الفتيات يخضن التجربة من باب مجاراة الأصدقاء‪.‬ غير أن التجربة تنتهي بالإدمان مما يدفعهن لدخول عالم الدعارة من أجل تأمين ثمن المخدر من خلال ممارسة الجنس السريع والرخيص.
وقد سبق أن قمت بمقابلات مع باغيات محترفات وصفن لي الممارسات التي تقوم بها القاصرات داخل السيارات التي تتربص بهن أمام المدارس، حيث يتم أخذهن في جولة لا تتعدى الساعة مقابل 50 درهما، مما يعني أن التلميذة تمارس الدعارة دون وعي بالأمر، اعتقادا أنها تبحث عن ثمن المخدر.
هناك فئة أخرى من القاصرات، وهن المنقطعات عن الدراسة ممن يعشن ضمن أسر فقيرة، ويعانين تفككا أسريا، لكنهن يطمعن في الحصول على مظهر يماشي الموضة، أو يحتجن لحاجيات بسيطة مما ترغب فيها المراهقات، وفي هذه الحالة أيضا نلاحظ غياب النضج الكافي الذي يمكن الفتاة من إدراك إقدامها على أول خطوة نحو احتقار الذات، مع إمكانية دخولها عالم الدعارة الاحترافية مع الوقت.
* عند الحديث عن الحالات التي تمثل أسرا تتاجر بأجساد بناتها، أو تغض الطرف عن طبيعة عملهن، نلاحظ أنها في الغالب أسر تسير من طرف الأم، هل هذا يعني أن هناك أسرا معينة تفرز مثل هذه الحالات؟
– عندما نتحدث عن هذا النوع من الأسر التي تكون دافعا وطرف في امتهان الابنة للدعارة ،لا يجب أن نتصور أننا نتحدث عن أسرة متكاملة ومنسجمة مما يشكل مصدرا للأمن والحنان، لأن الدراسات في العموم تشير أن الفتاة التي تدخل مجال الدعارة هي عموما تعاني من مسألة أساسية هي التصدع الأسري، وليس الفقر فقط، مما يعني غياب الروابط الأسرية السليمة داخل الأسر المفككة التي تفتقد معالم الأسرة، لذا يسجل في بعض هذه الحالات غياب الأب وتخليه عن مسؤوليته في حماية بناته، والقيام بواجباته كأب.
أما بالنسبة للأم التي تدفع بابنتها لممارسة الدعارة فمن الصعب تسميتها أما بعد أن تخلت عن علاقة الأمومة التي تربطها بابنتها، وعوضتها بعلاقة المصلحة البعيدة عن تصورنا عن مفهوم الأم الحنون التي تعمل على حماية ابنتها، وهو ما يجعل نسبة الألم مضاعفة بالنسبة للفتاة التي تمارس الدعارة بعلم أسرتها، لأن أي ممتهنة للدعارة مقتنعة في داخلها بأنها تمارس سلوكا مشينا ومرفوضا اجتماعيا، لذا تحاول أن تخفيه عن أسرتها والمحيطين بها لتحافظ في الحد الأدنى على تقدير أسرتها.
*هل هذا يعني أن بعض الحالات التي تظهر ارتياحا لاختيار طريق بيع الجسد بعلم الأسرة تخفي قناعة أخرى؟
– قد تبدو الأمور الظاهرية على ما يرام وأن الجميع فرح، وأن الأسرة ممتنة لابنتها التي تتكفل بتأمين مصاريفها، لكن هذا المظهر الخارجي يخفي آلاما عميقة وعذابا نفسيا داخليا، خاصة أن الجميع يتبنى فكرة خاطئة مفادها أن مجال البغاء مجال سهل لكسب الأموال، لكن الواقع يخفي أنه مجال صعب للغاية، ولا يمكن لأي امرأة أن تلجه وتستمر فيه إلا إذا كانت لها نظرة جد سلبية عن ذاتها لتبيع نفسها، لأن العلاقة الجنسية علاقة حميمية، ولا توجد أي فترة في التاريخ تسمح ببيع هذه العلاقة، لذا عندما تدخل مجال البيع والشراء يشعر الشخص أنه يبيع نفسه، مما ينتج عنه تحقير وتدمير للذات إلى أقصى درجة.
* هل يمكن للأمهات اللواتي يدفعن بناتهن لعالم الدعارة أن يكن ضحايا لمشاكل أسرية؟
– هناك دراسات تؤكد أن الأم الباغية لا تنتج ابنة باغية بالضرورة، وقد سبق لي أن أقمت لقاءات مع أمهات باغيات حاولن توفير الأجواء المناسبة لتربية أبنائهن تربية حسنة من خلال تسليمهم لأسر أخرى، وتزويدهم بالمال اللازم، لكنها حالات قليلة جدا، لأن المرأة عندما تخرج للبغاء لا تجد الوقت الكافي لتربية أبنائها في الغالب، كما أن ظروف الفقر، الحاجة، الأمية، والنفسية المحطمة لا تساعد هذه المرأة على تربية أبنائها تربية حسنة، وبالتالي فإنها بطريقة واعية أو غير واعية، مقصودة أو غير مقصودة تعيد انتاج البغاء من خلال بناتها، خاصة أن ظروفها المادية لا تساعدها على تربيتهم مما يجعل الابنة تسير على خطى والدتها.
– هل يمكن لهذه الفئة أن تتمكن من بداية جديدة بعيدا عن عالم الدعارة؟
* من الصعب أن تلج امرأة مجال الدعارة وتخرج منه، لأن الأمر شبه مستحيل بعد أن حطمت شيئا لا يمكن إعادة بنائه من جديد، حيث تصبح مدانة من طرف المجتمع الذي يرفض مسامحتها أو نسيان ماضيها، في نفس الوقت نجد أنها أيضا لا تنسى الأمر بسبب حالتها النفسية المهزوزة، وهذا ما يدفعها إلى تعاطي المخدرات والكحول من أجل النسيان.
أعتقد أن الحديث عن الوقاية أهم من الحديث عن العلاج، حتى لا تقع الفتاة في فخ الدعارة، والبداية تكون من التربية، والمدرسة، إضافة لمحاربة جميع مظاهر الفقر والتهميش، وإن كانت الدراسات تؤكد أن الفقر ليس عنصرا موجها نحو البغاء، إلا أنه يرتبط بمجموعة من المظاهر السلبية مثل الأمية، الجهل، الانحراف … لذا فإن وجود نساء فقيرات، أميات، متخلى عنهن من طرف أزواجهن بدون وجود أدنى إعالة أو نفقة، يدفع بعضهن إلى البغاء اعتقادا أنه مجال سهل لجني الأموال الطائلة، في حين أنه ليس سهلا ولا يدر الأموال كما يعتقد، بل يتم استغلالهن بشكل أكبر، وتحطم نفسيتهن، بل يصبحن مهمشات ومحتقرات مع بقائهن فقيرات، وهو ما يضاعف آلامهن.
أحب أن أشير في الختام أن موضوع الدعارة شائك ومتفشي لدرجة أن بعض الأحياء أصبحت مشهورة بامتهان فتياتها للدعارة، وأصبح من العادي أن يحدثك شخص بأن جارته، أو ابنة جارته، أو شقيقته تمارس الدعارة، وهو ما سيجعلنا في النهاية أمام مجتمع مريض، لأن الظاهرة ليست سهلة كما يعتقد البعض ولا ترتبط بفئة بل تهم الكل رغم أننا نركز على المرأة البغي لكننا ننسى الزبون الرجل.
* استاذة علم النفس الاجتماعي بكلية الآداب – المحمدية
حاورتها سكينة بنزين